لا يخفى على كل عاقل ـ ذي لب ـ أهمية الحوار بين البشر، خصوصًا في هذه المرحلة من التطور العلمي المخيف، وحالة الضمور المصاحبة له على مستوى الحوار في كافة الميادين، وعلى جميع الأصعدة.

يقول «ألفريد أدلر» في تصوره عن البشر «ولما كان البشر كائنات اجتماعية، يخلقون أسلوبهم في الحياة وفقًا لاستجابتهم للبيئة، وما يعتقدون أنهم يفتقرون إليه، وأن الناس تكافح بطبيعتها للحصول على المزيد من القوة الذاتية، والشعور بالهوية، ولكن الأسوياء منهم يبحثون أيضًا عن التوافق مع المجتمع، والإسهام في الصالح العام. فدعنا نكن يا صديقي من الأسوياء حقًا، وتعال بنا نخوض غمار هذا المقال؛ لنصل إلى الهدف المنشود، وهو الحوار الصادق والجاد مع كل ما هو آخر. وكما هو معلوم فلسفيًا، وبكل بساطة، أن كل ما كان خلاف نفسك فهو آخر.

عزيزي القارئ! اهتم الدين الإسلامي على وجه الخصوص بمسألة الحوار، وقد وطد لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعلها من أسس الدولة التي أقامها آنذاك، وقد أمر الله تعالى في القرآن الكريم في كثير من المواضع بالحوار والتحاور مع المخالفين بالحسنى، وبالحكمة، قال الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (الآية 125 سورة النحل). وقال جل في علاه «ولا تجادلوا أهل الكتاب، إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم» «الآية 46 من سورة العنكبوت».

بل كان الدأب دائمًا في كتاب العزيز المتعال هو الحوار حتى مع فرعون الذي قال «أنا ربكم الأعلى»!  حينما حكى  لنا ربنا عن قصة فرعون تنبهت كثيرًا، وتوقفت أكثر لمعاني جد عظيمة وجليلة نفتقدها اليوم خصوصًا في قضيتنا، ألا وهي الحوار مع الآخر المخالف.

الموقف الأول حين كلف الله تعالى موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ بدعوة فرعون، ولك أن تتخيل من هو فرعون!  وقال الجبار المتعال «اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى»، يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى «وإذا كان القول اللين من موسى لفرعون، فما دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه، وقد قال الله تعالى (وقولوا للناس حسنًا) سورة البقرة. انتهى كلامه». وقد لامست الآية قلبي، وانطلقت بي في عنان السماء؛ لأستشعر معنى جميلًا آخر، غير القول اللين وحلاوته، ألا وهو الطمع والرجاء في إيمان فرعون الطاغوت المتجبر في الأرض، والأمل في قبوله لدعوة الإله سبحانه وجل في علاه، رغم أنه فرعون أيها السادة الكرام!

وكما يقولون بالعامية «لا انت موسى ولا انا فرعون» هذا في الجانب الدعوي، وأقصد به من جانب كليم الله موسى ـ عليه السلام ـ ودعني ـ يا صديقي ـ أحلق بك؛ لنرى موقفًا آخر للجانب الآخر. نعم أقصد جانب فرعون، حيث العجب العجاب حينما يسمح هذا الطاغوت، رغم قوة جنده، وعظم ملكه في الأرض للمخالفين أن تبدو آراؤهم، وأن يتحاوروا معه في ملكه، وتحت عرشه وسلطته، وأمام مرأى ومسمع من جنده وحاشيته وسطوته. جسد القرآن العظيم هذا الحوار وخلده، كما في سورة الشعراء من الآيات 16 إلى 33، وغيرها من الآيات. في موقف طغاة العصر الحديث ـ حاليًا ـ من المستحيل أن يسمحوا به، ولو بصورة مصغرة منه، ولكن «لا انت موسي ولا انا فرعون».

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم محاورًا من الدرجة الأولى، وعلى كافة المستويات، ابتداءً من الأطفال والصغار، وانتهاءً بالملوك والقياصرة، مرورًا بكل المخالفين له، بل المعادين له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى سبيل المثال، لا الحصر، حديث البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه «أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم». والأمثلة مع المخالفين من اليهود والنصارى كثيرة لا تحصى، ومنها عندما جاء وفد نصارى نجران إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان وفدًا كبيرًا، وفيه سادتهم يجادلون الرسول عن أخص أمور اعتقادهم، ومنها ألوهية عيسى ـ عليه السلام ـ وغير ذلك من المسائل، والقصة بطولها محفوظة في كتب السير والتاريخ، لا محل لذكرها هنا؛ فالمقام لا يتسع، لكن تجلت فيها براعة الرسول الأمين في الحوار مع المخالفين له، وسبل الإقناع بالحجج وغير ذلك.

وخلاصة القول أيها القارئ العزيز: إن الأمة، بل البشرية كلها، لابد وأن تعي حقًا قيمة الحوار، وتوقن بصدق آلياته، وتدرك خطورة البعد عنه، وتركه كخيار. ودعنا نخَفْ، يا صديقي! خوفًا إيجابيًا يدفعنا إلى المصالح، لا إلى المكاره خوفًا من بدائل الحوار من عنف وإرهاب، وتصرفات غير مسئولة من جميع الأطراف، وكما يقول العالم «دي بيكر» في كتابه «نعمة الخوف» «ومثل باقي المخلوقات، فإن لدينا أنظمة تحذير داخلية من الخطر. حيث يرى دي بيكر أن الخوف نعمة؛ لأنه ينذر بالخطر، ويدعو إلى العمل الذي يؤمن لنا حياتنا، لو تتبعنا هذا الإحساس بداخلنا، ووثقنا فيه. وأراك الآن أيها القارئ الحبيب تقلب في شاشات التلفاز، وتتصفح بعض الجرائد والمجلات؛ لترى أننا أصبحنا نعيش في بركة دماء، وبحر من الأكاذيب والاتهامات، ورفض تام من كل طرف أن يصغي للطرف الآخر بقلبه، قبل أذنه، لتمر البشرية من شدتها بسلام، وإلا فالعاصفة جد خطيرة، وبإنذارنا كفيلة. فهل دقت أجراس الخطر عندك يا صديقي أم تراك لازلت تنتظر! إذا دق جرس الخطر عندك فتعال إلي، وفقط، دعنا نتحاور!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد