بدا الأمر في الآونة الأخيره يتحول إلى ظاهرة أو موضه، فمنذ سنوات قليله لم تكن شوارع مدننا تمتلئ بمثل هذا القدر من الحيوانات الأليفة من قطط و كلاب، والتي يجد أصحابها مبتغاهم من الصحبة، أو الألفة، أو الحب، أو التفاخر، أو التماشي مع الموضه والعصر.

وإذا كانت السيارات الفارهة والملابس من الماركات العالميه من لوازم الأستيل والشياكة والمكانه الاجتماعيه المتميزة، فلاحقًا انضمت الأجهزة الذكية من جوالات وتابلتات وساعات ذكية وسماعات إلى تلك اللوازم، وأخيرًا ظهرت الحيوانات الأليفة من ذوات الأشكال الجميلة و الغريبه البريئة و الشرسة والصغيرة و الكبيره والضخمة إلى تلك القائمة العجيبه والطويله.

لقد حول الإنسان الحيوانات الأليفة إلى سلعه تناسب كل الأذواق والاحتياجات ووظفها في أن تدر عليه أرباحًا طائلة، ويستطيع من خلالها خلق حاجات استهلاكية جديده تفتح أسواقًا متعدده للحيوانات أو طعامها أو ملابسها… إلخ.

إنها الشركه التي تتحكم في عالمنا وفي حياتنا وهدفها فقط أن ندفع ونشتري ونشتري وندفع إلى ما لا نهايه.. إنه القانون الحاكم لمجتمعاتنا أنت ما تشتري، وأنت ما تملك، وأنت ما تلبس، وأنت ما تركب قيمتك في هذا، وأنت أيضًا ما تصطحب من قطط، أو كلاب، فالسعر متشابه، والقيمه والمكانة أيضًا. وأنت تفوز بقدر ما يمكنك أن تستهلك وتستعرض.

أما المربية فهي مربية بشر، ولكنها استطاعت أن تحول البشر إلى كلاب، والبشر هنا هم الأبناء والمربية هي الأم.. كيف استطاعت المربيه هنا أن تدرب الأبناء واحدًا تلو الآخر على أن يتعرف على رائحة الخطر، ويهجم عليه مباشرة في أي وقت، وفي أي حال.. والشر هنا والخطر هو الأب الذي تربي الأبناء جميعًا على حراسته ومراقبته ومهاجمته إذا اقتضى الأمر.

لست أدري ما سر تلك المهارة الغريبة والقدرة العاليه على تحويل مشاعر البنوة والبر والرحمة في قلب الصغير الغض إلى مشاعر العداء والكره والترقب و التحفز.. كيف يتحول الأبناء إلى كلاب حراسة تحوم حول أبيهم فمنهم من يفتش محفظته، ومنهم من يتسلل إلى حاسوبه، ومنهم من يستشعر تغير رائحته أو يرصد تغير حركاته وسكناته.

نحن هنا أمام نموذج شاذ من نماذج الأسرة حولت فيها الأم الأبناء إلى مجموعة مرتزقة تستخدمهم بشراهة في حربها غير الأخلاقية مع الزوج المارق المتأهب للهرب من سجن الحياة السعيدة في صحبتها.. نحن أمام نموذج شاذ من النساء الذين يملكون قدرة غريبة على تتغيير أنماط سلوكيات الأبناء، وشيطنة الأب في عيونهم ليتحول في مخيلتهم إلى مجرم محترف يستحق دومًا الملاحقة والعقاب.

لست أدرى ما هو الدافع العميق لدى هؤلاء الزوجات لتدمير حياة أبنائهن وشيطنة عقولهم وتلويث قلوبهم.. ما سر ذلك الكره العميق للرجل الزوج والأب.. لماذا تلك المشاعر السوداء التي تنسكب حبرًا أسود في ينابيع الأطفال الصافية البريئة فتسودها إلى سنوات وسنوات.

إن ملء قلوب الأبناء بالسخط والحنق الدائمين وأشعارهم أن ما يفعله الأب من أجلهم هو دون المستوى وأقل من المرجو هو تشويه لمشاعرهم تلويث لأفكارهم وأشعارهم الدائم بعدم الرضا والامتنان لأبيهم، ثم لخالقهم، إننا نربي أجيالًا لا تشيع ولا ترضى ولا تشكر أبدًا. أجيالًا شرهة تقدس حاجاتها المادية وتعتدي على أقرب الناس إليهم في سبيل إشباع حاجاتهم ورغباتهم التي لا تنتهي.

أي شقاء كتب على هذا الزوج، وهو يرى أبناءه الذين شبوا على كتفيه قد انتفضوا من بين يديه وتحولوا إلى جراء صغيرة نابحة تقض مضجعه وتحطم سعادته وطمأنينته فى مقتبل حياته.. حتى إذا تقدم به العمر في رحلة الحياه تحولوا إلى كلاب شرسة تهجم وتقفز وتمزق وتصيب وربما تقتل؟

أي نهاية لحياة هذا الأب المسكين الذي زرع بذور عمره في أرض بور مالحة؛ فأنبتت تلك النباتات الشوكية المشوهة والتى تدمي يديه كلما حاول تهذيبها وإصلاحها؟

أيموت قهرًا وكمدًا بأزمة قلبية في خضم أزماته وانفعالاتة التي لا تنتهي؟ أيموت مقتولًا في معركة من معارك عمره الممتد؟ أيشيخ فيرقد في فراشه، فيتركه أبناؤه ومربيتهم حتى يموت ميتة السجين؟

يا ليت شعري أهو الجاني أم المجني عليه؟ أهو البريء المقتول الساذج الذي ارتضى لنفسه تلك المربية اللعينة في بيته؟ هل حاول أن يصلح تلك النبتات الصغيرة قبل أن تفسد بفشل، أم من هول الصدمة وشدة النباح سكت وهرب؟

يا ليت شعري كيف قتل الخضر الغلام رحمة وشفقة من سوء فعله في والديه وهتف: فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا؟

هل يمكننا أن نعرف تلك العينة من النساء أو نرمزهم أو نحدد وصفهم حتى لا يسقط في شراكهم الكثير من الضحايا الأبرياء من زوج وأبناء هل يمكننا القول بأن هولاء النسوة لا يصلحن كزوجات وأمهات.. هل هناك ارتباط بين علاقات الكراهية في أسرهن والتي غالبًا ما تُكن البنت فيها مشاعر الكره العميق للأب أو زوجة الأب، أو تعرضت فيه هؤلاء النساء إلى الاضطهاد والإيذاء النفسي والبدنى. أهن أيضا ضحايا أو مجرمات؟

هل يمكننا أن نضع حدًا للعقوق المتزايد من الأبناء تجاه آبائهم، والذي يصل في بعض الأحيان على يد بعض الخاطئين التعساء إلى قتل آبائهم؟

لملمت أوراقى وطالعت تلك الآية الكريمة التي ما زالت تبكيني وتهزني كلما قرأتها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. [التغابن:15].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد