يقول الدكتور مصطفى محمود، إذا نزل مسلم وآخر كافر إلى البحر، فلن ينجو إلا من كان يتعلم السباحة، فالله لا يحابي الجهلاء، والمسلم الجاهل سيغرق وينجو الكافر. ويقول أيضًا الدكتور على الورداني، عندما ظهرت الكوليرا في عهد الخلفاء العثمانيين، منع الحاخامات أتباعهم اليهود من الخروج من منازلهم فينجو من الوباء، أما المسلمون فقد استفتوا علمائنا فقالوا لهم لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فأصيبوا ودمرت قراهم، لأن فهمهم للآية كان خاطئًا وغريبًا.

نسوق إليكم هذه الاقتباسات، لنبين ونوضح مدى المفاهيم المغلوطة، وحالة الاستهتار الكبيرة بوباء كورونا، التي لا تزال ترسم المشاهد اليومية، لأغلب مدننا العربية، حتى كتابة هذه الأسطر، وكأننا نؤذن في مالطة.

ولعل الخطر الجاثم يتمثل في قلة الأرقام المسجلة بهذه البلدان، خاصة من هي في شمال أفريقيا، والذي قد يكون مرتبطًا بتواضع الخدمات الصحية فيها، أكثر مما تعكس الوضع الحقيقي للجائحة المهلكة، في الوقت الذي يؤكد فيه خبراء منظمة الصحة العالمية، أن عدد المصابين في الشرق الأوسط والقارة السمراء يساوي أضعاف الأرقام المبلغ عنها في عدد المرات.

هناك من انقطعت أنفاسهم وهرست الحمى أجسادهم ومزقت كورونا رئاتهم، فقدوا أرواحهم ولم يجدوا فردًا من ذويهم يتولى دفنهم، كانوا مستهترين به، واستخفوا بالفيروس اللعين، وظنهم أنه لن يصيبهم، إلا حالة الاستخفاف تواصلت، على الرغم من إعلان حظر التجوال في كل هذه البلدان، ومنع التجمهر بقوة القانون، وإلزام الناس بالبقاء في منازلهم، وتتبدى حالة الاستهتار جلية في كبريات المدن العربية وأريافها، التي يصر أهلها على التجمهر، مما يؤكد العجز الحكومي فيها.

بلداننا في خطر محدق، وأهلنا لاهون عنه مستخفون به، وحكوماتنا عاجزة عن توفير لوازم العزل، من مأكل ومشرب، والقطاع الخاص ورؤوس أمواله ورجال أعماله، لا يزالون يمارسون عادتهم القديمة، في جني الأموال ببضاعتهم الباهظة الأثمان، منكأفئين على أنفسهم متوشحين ببخل قميء، تغل أيديهم عن إعانة المحتاجين، بل يهرع بعضهم لاستغلال مشاعر الخوف عند الناس، واستغلال مآسيهم وآلامهم في الإثراء، فيرفعون الأسعار ويحتكرون البضائع، وينشرون إشاعات تبث الهلع عند الناس، حول نقص بضائع معينة، لكي يقبل الناس عليها.

المنظومة الصحیة في بلداننا تشكو من النواقص، لھذا لابد من إعادة الأولویات في ھذه المرحلة الراھنة والعمل بجدية أكثر من أي وقت مضى، فھذه الأزمة أثبتت ھشاشة منظومتنا الصحیة وما تعانيه من مشكلات وقلة الإمكانات، لذلك ھي فرصة للنظر جیدًا لوضع، الأسابیع القادمة ستكون صعبة على الجمیع وبالخصوص أكثر على كافة الطواقم الطبية والباحثین في البیولوجیا.

لذا تعد المرحلة المقبلة هي أخطر من التي سبقتها، والتي ستبين بكل وضوح، ما إذا كان قد تفشى في بلداننا العربية بالصورة التي التي نراها اليوم في الدولة الغربية، ومدى ملائمة البيئة العربية لتكون حاضنة لهذا الفيروس، وبالتالي يتطلب هذه تضافر كل الجهود، مع حكومات هذه البلدان لتخطي هذه الجائحة؛ لأن البنى التحتية لها لن تستطيع أن تصمد كثيرًا.

وبصورة عامة، لا يزال العالم يترقب، بأرقة أمل صحية جديدة، للوقاية من فيروس كورونا (كوفيد-19)، في ظل الاستفحال المقلق للوباء، الذي ظهر في الصين، آواخر العام الماضي، إذ دخل العلماء في سباق مع الزمن لأجل تطوير لقاح قادر على كبح استشراء العدوى، التي تنتقل بسرعة بالغة، والتي حصدت الآلاف حتى الآن، الأمر الذي يجعل أمر الوصول إلى علاج ناجع له، ضرورة وإلحاحًا أكثر من ذي قبل.

وعكس التيار، ينظر البعض لفيروس كورونا، بأنه مجرد آداة حرب سياسية جديدة بيولوجية، وليس وباءًا تحول إلى مهدد عالمي، تدق أجراس الخطر ضده، وضع حياة ثلثي الأرض على المحك. وحاولوا ربط الوباء، وإقحامه في الصراعات الآخيرة، بين أكبر قوتين اقتصاديتين على وجه البسيطة، والزج بدول أخرى أيضًا في هذه الحسبة، وتسييس الوباء بشكل رسمي، وسط تساؤلات حائرة ممن لجأ إليه لإيقاف الآخر؟

هؤلاء لم ينظروا هؤلاء لم ينظروا أبدًا إلى كيفية تعاطي هذه الدول مع الوباء، ومستجداته والتركيز فقط على أعداد المصابين، دون النظر إلى حالات الشفاء.

ولأن الأحداث تتواتر تباعًا ولايعرف حتى الآن أصل الحقيقة والحكاية، لا نملك سوى أن تعرف الأكفة عالية وندعو، ونقول تحصنت بك يا ذا العزة، واعتصمنا بك يا رب الملكوت، وتوكلنا على الحي الذي لا يموت، فاصرف عنا الوباء، بلطفك يا لطيف، إنك على كل شيء قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد