يا قوم! ألا ترون بأم أعينكم أن جذوة الثورة، قد أوشكت على الخمود، وتَراكمت عليها جبالٌ من الرماد، الذي غطاها من كل مكان، إلا من لعالع، وأنات، وآهات، وصيحات خافتات، وندب للحظ العاثر، الذي أصاب الثورة السورية. وشكوى مستمرة! من تكالب ضباع الأرض، وسباعها، وقرودها، وثعالبها، وحيتانها الذين هجموا عليها من كل أصقاع الأرض، ليخنقوها، ويخمدوا نارها، ويطفئوا شعلتها، بعد أن علموا أن نارها، إذا بقيت متأججةً، ستحرق أعداءها، وتُصليهم لظاها، وينتشر نورها في المنطقة العربية جمعيها.

يا قوم! لقد اتبع الأعداء وسائل جهنمية عديدة، لمحاصرة الثورة، وخنقها في مهدها. فما اسطاعوا إلى ذلك سبيلًا في الخمس سنوات الأولى، بالرغم من دخول أعتى جيوش العالم، وخاصةً الجيش الروسي، الذي بدأ عدوانه بطائراته الفتاكة المدمرة منذ 30 سبتمبر (أيلول) 2015.

وبعد سنة كاملة من عدوانه الكاسح الهمجي! لم يتزحزح الثوار عن المناطق التي سيطروا عليها، والتي بلغت حوالي 70% من مساحة سوريا، شبرًا واحدًا.

وهنا لجأ القيصر الروسي! إلى خطة خبيثة شريرة، وهي عقد مؤتمرات أستانة ثم سوتشي، وتشكيل ما يسمى (الضامنون) وتشكيل ما يسمى أيضًا (مناطق خفض التصعيد) وتعاون الضامنون كلهم مع اختلاف وجهات نظرهم، وآرائهم، على إخماد لهيب الثورة، وإرجاع المناطق المحررة، إلى بشار، منطقةً وراء منطقة، بعد أن تم شراء قادة الفصائل المسلحة جميعها دون استثناء، بالدرهم والدينار.

يا قوم! إنكم تشاهدون يوميًّا تقريبًا، كيف أن الطائرات الروسية، والطائرات الأسدية، ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، تُلقي بحممها على المدنيين، من نساءٍ، وأطفالٍ، وشيوخٍ، ومستضعفين. فتقتل منهم العشرات، وتجرح منهم المئات، وتُدمر فوقهم بيوتهم، بالرغم من أنهم وصفوا هذه المناطق، في مؤتمراتهم التآمرية أستانة وسوتشي، أنها مناطق خفض التصعيد.

وأبرموا معاهدات هدنة، ووقف لإطلاق النار، ولكنهم – كعهدهم – لا يحفظون عهدًا، ولا يلتزمون بأي وعود، ولا عهود، وليس لهم إلٌ ولا ذمةٌ.

وأما الفصائل المسلحة جميعها تقريبًا – وللأسف – قد ركنت إلى الدِعة، والراحة، وتثاقلت إلى الأرض، وأخذت تتفرج على الأبرياء، والحمم الملتهبة! تمزق أجسادهم الطرية، وتقطع أوصالهم، وتحولها إلى أشلاء مفتتة، مبعثرة.

وكذلك الضامنون، الذين تعاهدوا على ضمان الأمن، والسلام للمدنيين. فقد نكثوا بوعودهم، ونقضوا عهودهم. فمنهم من يقتل، ومنهم من يتفرج، ولا يحرك ساكنًا، إلا من التصريحات الإعلامية، والسياسية من كل الأطراف، بالرد الصاعق على الاعتداءات. غير أنها كلها ليست إلا فرقعات إعلامية، تهريجية، تخديرية! لا تُسمن ولا تغني من جوع.

يا قوم! هل أنتم راضون عن هذا الواقع المأساوي، الكارثي الذي يحصل في مناطق ما يُسمى ( المحرر )؟!

إني أعتقد – من باب حُسن الظن بكم – أنكم ستقولون بصوتٍ واحد: لا طبعًا! لا نرضى بهذا. ولكن ماذا نفعل؟! لا حيلة لنا، ولا قوة، ولا طاقة.

وليست لدينا قدرة على مجابهة القوى العالمية، والإقليمية، التي اختطفت الثورة، وسلمت قيادتها للأقزام، والرعاع، واللصوص، والرويبضة، والدهماء الذين لا يحملون بين جوانحهم، أي مشاعر حب، أو ود. ولا يُقيمون للأخلاق، والقيم أي وزن، ولا يُهمهم في الدنيا، إلا الدرهم والدينار. ويبيعون دينهم، وآخرتهم، لأجل تحصيلهما.

والبعض منكم قد يلجأ إلى ترديد الحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) أو الحسبلة (حسبنا الله ونعم الوكيل) ويظن أنه قد أدى ما هو مطلوب منه، أو أنه قد قام بعمل عظيم. وما علم هذا المسكين الدرويش، أن هذه عظيمة الشأن عند الله تعالى، إذا ترافقت بالعمل. أما وحدها، فليست إلا تهويمات، وتمنيات لا تنفع صاحبها شيئًا، بل قد تكون شاهدة عليه يوم القيامة.

يا قوم! إن الاستسلام، والخنوع، والتسليم إلى أن يقود الثورة، أراذل الناس، وأتفههم، وأسفههم، وأبلدهم، وأغباهم، ثم إظهار العجزِ، والخَوَرِ، والضعف، والانبطاح لهم، وإظهار الشكوى، والتشكي، والسخرية، والاستهزاء بهم، واللجوء أحيانًا إلى السب، والشتم! فهذا ليس إلا سلاح العاجزين، الخائرين، ولا يشكل إلا تنفيس لما في الصدور، من غيظ ، وحنق، وغضب لا ينفع شيئًا البتة. ولا يغير من موازين القوة شيئًا، ولا يُحقق للثورة أي هدف، ويُبقي الحالة راكدة، جامدة، خامدة، لا روح فيها.

يا قوم! تعالوا إلى كلمةٍ سواء.. لنعيد للثورة ألقها، ووهجها، ونُضرم نارها من جديد، ونزيح عنها كتل الرماد، التي غطتها، وننفخ في جذوتها لتتأجج شعلتها، ونُسعر لظاها، ونعيدها سيرتها الأولى.

يا قوم! تعالوا نحشد قوانا كلنا – إذا كنا نعتقد أننا أحرار وثوار – في تنظيم واحد، نطلق عليه اسم (تنظيم الأحرار) بحيث يكون تنظيمًا مستقلًّا استقلالًا تامًّا عن جميع التنظيمات، والهيئات، والتجمعات الأخرى، وليس له أي ارتباط، بأي قوى خارجية على الإطلاق، ولا سلطان لأحد من العبيد – أيًّا كانوا – عليه.

يا قوم! إنني أدرك وأقدر مشاعركم، وهواجسكم، وارتيابكم من مثل هذه الدعوات، وأعلم علم اليقين، أن لديكم مخاوف، وشكوكًا كثيرةً، وتساؤلات حول شخصية الداعي.

فقد تقولون: مَن هذا الذي يدعونا إلى مثل هذا التنظيم؟! ما سمعنا بهذا من قبل! ولو أول مرة نسمع باسمه. ألا يمكن أن يكون له ارتباط خارجي؟! ألا يمكن أن يكون مدفوعًا من قوى عالمية، أو إقليمية، ليورطنا، ويسحقنا، ويمحقنا، ويقضي على البقية الباقية من أحرار الثورة؟!

يا قوم! إنني أقرُّ ابتداءً! أن لكم الحق كل الحق، في هذه التساؤلات، وهي تدل على وعيكم، وعلى حرصكم على مصلحة الثورة. ولكن إلى حد معين، وليس أن تشتط بكم الخيال، والأوهام، والشكوك، والارتياب، وتأخذ منكم كل مأخذ، وتسيطر عليكم، فتحُول بينكم وبين العمل الجاد.

من السهولة بمكان، أن تسألوا عن هذا الداعي، وتطلعوا على سيرته الذاتية في «جوجل»، وتطلعوا على صفحته على «فيسبوك»، و«تويتر»، و«لنكدن». وتقرؤوا مقالاته التي تتجاوز المائتي مقال خلال عمر الثورة، ومنشوراته، وتغريداته.

ولكم الحق كل الحق أن تتحروا عن الداعي، وتستوثقوا منه، وتطمئنوا إليه، وإلى الهدف من دعوته، لتكونوا على بينة من الأمر.

وهو يُشهد الله! أنه يدعوكم من أعماق قلبه الملتاع، المحترق، المفجوع، المتألم، ومن جوانح كبده المتفتت، المتمزق، أسىً وحزنًا على حال شعبه الذي وصل إليه، من التيه، والضياع، والتفرق، والتشتت، والتشرذم. وهي دعوة شخصية ذاتية، تنبع من قلبه النابض بالحب لله ولرسوله وللمؤمنين أولًا، ثم حبه لشعبه، وبلده ثانيًا، بالرغم من أنه أمضى أكثر من نصف عمره، متغربًا عن بلده في بلدان شتى.

وهو لا يريد من هذه الدعوة جاهًا، ولا سلطانًا، ولا منصبًا، ولا مالًا، ولا شهرة. ويعد نفسه أسمى وأعلى من كل عروش الدنيا، ومناصبها. ويطأ بقدميه على أكبر عرش في هذه الأرض، شامخًا برأسه، ومتعاليًا على هذه الدنيا التافهة، ليناطح السحاب، وأجواز الفضاء، يجول بين المجرات والثريات.

هذا توصيف لحال الداعي، وليس مدحًا، أو تزكية، أو ثناء له، وهو لا يطلب جزاءً، ولا شكورًا، ولا مدحًا، ولا إعجابًا، لأن ما عند الله خير وأبقى.

كل الذي يريده منكم! تعاونًا، وتجاوبًا، وتفاعلًا، ودعمًا، ومساندة، وتأييدًا، ليس لشخصه، ولا حتى لأجل سوريا، وإنما لأجلكم أنتم، حتى تنقذوا أنفسكم من النار. (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ۗ ) آل عمران 185. وحتى تُبرئوا ذمتكم أمام الله، وتجيبوا عن سؤاله: ماذا فعلتم لبلدكم ولشعبكم؟! ولماذا لم تتحركوا وتقاتلوا عدو الله وعدوكم؟!.

يا قوم! لا يطلب الله تعالى منكم، تحقيق الهدف.. فهذا أمره إليه سبحانه، وقد قرر في كتابه الكريم (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) النجم 39. وقوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ۖ) التوبة 105.

من أجل ذلك! لا مبرر لكم، للتردد والقعود، والخمول، وترديد كلمات المثبطين، والسلبيين، والمنهزمين الذين يقولون: ماذا نستطيع أن نفعل نحن أمام جيوش عرمرم، غزت بلدنا، واحتلته، وسيطرت عليه؟! الجواب في قول الله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ۗ) البقرة 249.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد