شاهدنا كلنا صور التونسي المحروق –رحمه الله- الذي أوقد النار في نفسه كأنها قطعة من الشمع؛ احتجاجًا على مصادرة السلطات البلدية لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، فهو لم يدرك أنه بذلك يشعل نيران الثورة التونسية، مفجرة أخواتها من الثورات.

بينما في مصر، لا ننسى بالتأكيد، من انتحر شانقًا نفسه في طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي في أوائل هذا العام، بصورته معلقًا من اللوحة بحبل أفجعت الأنفس والقلوب، هذا كله لأنه لم يكن يملك المال الكافي ليربي أولاده، ويوفر لهم اللقمة التي لا تصل بأن تكون هنية!

كلنا نحفظ الآية الكريمة “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا”، ولكننا لا ننكر بأنه سلاح فعال، للضغط على المسؤولين، ولإيقاظ الأنفس وإخراؤج ما بها من طاقات لتوصيل الآراء. ولكن بئس هذا السلاح! الذي يهدر ثاني الكليات الخمس التي يحافظ عليها الدين.
ولكن هو بالأساس قرار المرء بأن حياته من منظوره قد انتهت. فمن كان يتخيل بأن روبن وليامز يفعلها؟ هل يعقل بأن من سخر عمره كله في رسم البهجة والابتسامة، وإضحاك الملايين، بهذه البساطة يدخلون غرفته فيجدونه مٌعلِقًا نفسه كالدمية؟!

وقد يصل الانسان إلى مرحلة شديدة من التخبط كما فعل إسماعيل أدهم، الذي يعتبر أول من جاهر بإلحاده في القرن الماضي، مرت حياته بتأليفه كتابًا باسم (لماذا أنا ملحد؟) ثم انتهى به الحال بأن يكون ضيفًا على الأعماق والسمك بعد أن ألقى بنفسه غريقًا تاركًا رسالةً في جيبه بأنه يكره الحياة ولا يريد أن يدفن في مدافن المسلمين.

يا من تقرأ حتى هذه اللحظة، أتفكر في الانتحار حقًا؟

تخيل، أو حتى بدون أن تتخيل، لابد أنك قد مررت بهذا الموقف، وهو أن يفشي صديقٌ مقرب لك سرًا بأنه يفكر في الانتحار، فترد بنبرة حادة، زاجرًا إياه “ستموت كافرًا وستشوى باربيكيو في جهنم كده!”
في حين أنك -أنت- ذات الشخص المتناقض، ذو الرأي المزدوج، تود ذلك!

فما الذي يجعل الناس يفكرون في الانتحار؟

تجربة عاطفية لم تكتمل بالسيناريو الذي يريده الشخص أو إحساسه بالفراغ العاطفي، بأنه وحيد لا أحد يحبه؟ ربما.
ربما المال؟ من أهم الأسباب ولكن دون أن نعمم ذلك، فالسويد وأمريكا على سبيل المثال، متوسط دخل الفرد لا يحلم به موظف مصري درجة أولى، ومع ذلك نجد أن الأخير لا ينتحر ويكمل حياته!

عندما تفكر في هذا الأمر، ترى أن كثيرًا من الناس التي تعرفها في دائرتك المقربة، ستنتحر مثلًا عند تمام الساعة التاسعة صباحًا إذا صدرت فتوى بأن الانتحار جائز في الساعة التاسعة إلا خمس دقائق! فهم يقولون في أنفسهم أنعذب أحياءً وأمواتًا؟
ولكن أليس الانتحار قرار شخصي؟ بالطبع. ولكن أليس المنتحر آثمًا؟ بغض النظر عن هذه النقطة لأنه “حسابه عند ربه”، هذا من منظور ديني. بينما من منظور المادية، أليست هذه النفس الغالية تستحق العيش؟ تستحق الحياة؟

ثم ألا يعد المنتحر أنانيًا؟ فحياته ليست ملكًا لنفسه، حياته أيضًا عبارة عن حق لمن يعيش معه ويعرفه، فحياته تنسب إلى إخوته وأهله ومعارفه، أليس بهذا الفعل يتخلى عنهم؟ يتركهم وحدهم ليواجهوا مشاكلهم الأولى التي دفعته للانتحار بالإضافة إلى فقدانهم لعزيزٍ عليهم؟ فهو يتركهم لأنه جبان وضعيف غير قادر على أن يحل المشاكل التي تواجهه!

إذن هل سننتحر كما وعدتنا من عنوان المقال؟

بالطبع لا! لن ننتحر، لأننا لسنا ضعفاء أو أنانين، قد يصل بنا اليأس إلى أشده وتتراكم العقبات، ولكن ستمر الأيام وتحل كل مشكلة على حدة.
فإن كانت مشكلتك فكرية دينية، فاستمر في القراءة والبحث والتحاور حتى تجد ضالتك، ثم تذكر وخذ دائمًا بعين الاعتبار بأن حياتك ثمينة. وإن كانت سياسية، مثل زينب المهدي، أول منتحرة سياسية في مصر ليأسها وترديدها جملة مفيش فايدة! ولكن لا تقلق، ليست مشكلتك وحدك ونحن نشاركك فيها، لأن السيئة تعم!

وان كانت بلوتك عاطفية، فلا أعدك بأن تجد حلًا لها سوى الإلهاء والانغماس في مشاغل الحياة ودروبها حتى تتمكن من تداركها. وإن كانت مشكلتك نابعة من إحساسك بالفشل في الدراسة على سبيل المثال، فأنت تتقن الحل أكثر مني، استذكر جيدًا واهتم ونظم وقتك، ثم اعقلها! هل من الحكمة أن تنهي حياتك بحلوها ومرها لأنك فشلت في بعض المواد أو الاختبارات! وبالطبع إن كانت مشكلتك مالية، فاسعَ وادعُ لأن ربك اسمه الرزاق!

فكرة الانتحار فكرة سوداء، أرجوك تخلَ عن هذه الفكرة وفكر في إيجاد الحلول فضلًا عن الكسل واختصار الطرق في إغلاق العينين وكتم الأنفاس عن الحياة والهروب منها. استعذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، واستعن بالله، وإذا وجدت حلًا او فكرة إضافية، فتذكر بأني أخوك، لا تبخل عليَ وراسلني بها لعلنا نرتدع معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد