كعادتي في التعرف على عناوين الأخبار اليومية عن أوضاع البلد، وجدت أخبارًا عن بدل العدوى، وعن نقص لبن الأطفال، وعن أزمات مختلفة تتدخل الدولة أحيانًا لحلها أو تتباطأ فيها، أزمات لا نهاية لها تذكرت حينها مقولة نيكولاو مكيافيلي في كتابه الأمير «الإصابات أن تقع دفعة واحدة يكون وقعها أقل إيلامًا وبالتالي أقل إيذاء». على أية حال ليس أمامي وأنا مواطن بسيط سوى الدعاء، والتضرع لله أن يتدخل وتُحل تلك الأزمات.

وأنا في غضون التضرع تذكرت مقولة ريتشارد بيكر «لقد نظفنا نيواورلينز أخيرًا من المساكن الشعبية. لم نكن نستطيع فعل ذلك، ولكن الله فعله».

ريتشارد بيكر عضو مجلس الشيوخ الأمريكي كان يشكر ربه على ما فعله من أجل تنظيف الرب لمدينته، ولكن دعني أحكي لك عن ماذا حدث ليقول ريتشارد تلك الكلمات.

حدث في 31 أغسطس 2005 إعصار كاترينا في مدينة نيواورلينز في ولاية لويزيانا الأمريكية، وحدث تدمير هائل، كان نحو 80% من هذه المدينة قد غمرها الفيضان، حيث بلغ ارتفاع المياه في بعض المناطق أكثر من 5 أمتار.

وتم إخلاء نحو 90% من سكان جنوب شرق لويزيانا في عملية إخلاء لم تشهد لها الولايات المتحدة مثيلًا من قبل.

ريتشارد بيكر المنتخب من قبل هؤلاء الفقراء في أكثر بلد ديمقراطي وهي أمريكا يحمد ويشكر الرب على الإعصار «أزمة»، أغرقت مدينته التي كان يلهث وراءها المستثمرون ليستثمروا بدلًا من المساكن الشعبية للناس الفقيرة ولم يستطيعوا أن يقنعوا هؤلاء السكان بترك مساكنهم، ولكن الرب في منظورهم قد منحهم تلك الفرصة.

أحد أشد المستثمرين ثراء في نيواورلينز قال وهو في غاية السعادة: «أعتقد أن لدينا الآن صفحة بيضاء لنبدأ من جديد، وبتلك الصفحة البيضاء تتاح لنا فرص كبيرة جدًّا».

صفحة بيضاء أم مشردون سوف يستغلون ضعفهم من أجل زيادة أموالهم؟

وبعض السياسيين في أمريكا ومنهم جورج بوش كانوا ينتمون إلى حركة تصلي من أجل وقوع الأزمة، بالخشوع نفسه الذي يصلي فيه مزارع من أجل أن تمطر على أرضه التي تعاني الجفاف، فعندما تضرب الأزمة التي طال انتظارها تدرك تلك الشخصيات أن الساعة المنتظرة آتية، نظام جورج بوش الذي حول أحداث أزمة 11 من سبتمبر «الساعة التي كانوا ينتظرونها» التي منحهم إياها أسامة بن لادن، كانت المنقذ لجورج بوش على المستوى الاقتصادي، فقد أصدر 115 ألف قرار تعاقد مع شركات بقيمة 200 مليار دولار للقيام بدور الدولة في كل شيء، سواء داخل أمريكا أو في العراق. يقول مايك باتلز: «قدم الخوف والفوضى إلينا فرصة ذهبية»، هذا الرجل الأمني يشرح كيف ساعدت الفوضى في العراق شركته الأمنية على تحقيق أرباح قيمتها 100 مليون دولار.

وكله تحت مسمى «الحرب على الإرهاب»!

«يجب تداول الصدمة (الأزمة) في العلن، ويجب أن يكون الشعب ملمًا تمامًا بالتفاصيل حتى يكون مفعولها قريب الأجل، فكلما ازدادت إحاطة الشعب بها كلما سهلت ردود فعله عملية التغيير». فريدمان وهو ينصح الجنرال بينوشي.

أفراد أي نظام عندما كانوا يخططون للحصول على حقوق ليس حقوقهم دعنا نطلق عليها امتيازات خاصة، بدلًا من لفظ السرقة لأنها تصيبهم بالحنق، كانوا يلجؤون لأسلوب «بص العصفورة» خجلًا منهم أن يعرف الشعب بتلك الامتيازات، فكانوا يسوقون مجموعة من التبريرات لإقناع الناس بها.

ولكننا أصبحنا الأن في وضع مأساوي مؤسف للغاية يعرف الشعب كل تفصيلة من تفصيلات الامتيازات، بل ويتم الإعلان عنها من قبل أصحابها الجدد الحاصلين عليها، وبل وتكون مسارًا يسير عليها لمن يريدون الاقتداء بهم.

دعنا نخرج قليلًا إلى الفن المُعبر عن الواقع، حيث منذ أيام شاهدت فيلم طيور الظلام، وهنا كانت لمحة عبقرية قام المخرج الكبير شريف عرفة (فهمها البعض)، ففي أحد المشاهد ظهر عادل إمام وهو «يضع»  كتب «القانون والدستور» في صندوق مكتوب عليه «قابل للكسر»، وهذا المشهد العبقري يلخص كل كلام عن أن القانون يخدم مصالح ناس دون ناس، وأن القانون من الممكن أن يتم كسره من أجل إقرار أمر واقع على الناس، وفي غياب القوانين تكون المكاسب خيالية.

بل إنه مشهد يُلخص أكثر الكلمات بلاغة التي عبر عنها «فريدمان».

«وحدها الأزمة هي التي تحدث التغيير الحقيقي، فعند حدوث الأزمة تكون الإجراءات المُتخذة منوطة بالأفكار السائدة، وهنا تأتي على حد اعتقادي وظيفتنا الأساسية، وهي أن نطور بدائل للسياسات الموجودة وأن نبقيها حية ومتوفرة إلى أن يصبح المستحيل في السياسة حتمية سياسية».

«فريدمان» المؤسس الفعلي للرأسمالية المعاصرة، عن جوهر الخطة التكتيكية التي يدار بها العالم الأن.

هذا المحلل الذي يؤمن بفكرة المعالجة بالصدمة، صدمة لعرقلة الديمقراطية، أو صدمة لخصخصة اقتصاد…!

وخير مثال لذلك حرب تاتشر عام 1982، خدمت تاتشر في بريطانيا لسحق عمال الفحم وإطلاق حملة الخصخصة في بلد ديمقراطي.

وفي بوليفيا كان هناك «غوني »، رجل أعمال صاغ مشروع العلاج بالصدمة البوليفي عام 1985، حيث باع شركات النفط والخطوط الجوية والسكك الحديد والكهرباء والهاتف.

وقال الرئيس سانشز رئيس بوليفيا، المهم ألا يكون هناك رجوع عن هذه التغييرات، ومن المهم أيضًا إنجازها قبل دخول الأجسام المضادة. لذلك سمح باعتقال أي معارض للنظام الاقتصادي الجديد!

«لم نكن نعلم بما لم يستطع أحد إنكاره».

جملة شاعت بين الأرجنتينيين في سبعينيات القرن الماضي، تعبر عن ازدواجية بين الخوف والبصيرة!

مضطر هذه المرة أيضًا أن اذكر أمثلة من مشاهد الأفلام، فيلم الفتوة حيث ظهر الفنان محمود المليجي وهو التاجر الانتهازي الفاسد، وفريد شوقي «هريدي» وهو دور شاب صعيدي مفعم بالحماسة، يتحول بسبب سلبية المجتمع إلى نسخة أسوأ من منافسه «المليجي»، هريدي الذي يعلم بطبعه الصعيدي أن ما يفعله خطأ، ولكنه مستمر في فعله لأن الواقع المحيط بيه سلبي!

الحالة السيئة التي ظهر عليها هريدي ليست حالة فردية، ولكنها حالة مجتمع الأرجنتين الذين كانوا يرون أنهم تحت وقع أزمات مفتعلة، وهنا يمتلكون البصيرة لمعرفة الأمور جيدًا، ولكن خوفهم أعماهم عن الفعل الصواب؛ فاستمروا في الخطأ؛ فشاع كما يقول المؤرخون: «لم نكن نعلم بما لم يستطع أحد إنكاره».

في أوساط المجتمع الأرجنتيني الذي سكت عن حقه، وسكت عن الأزمات المعلبة، وعن الفقر والجهل والاستخفاف به، ولكن في النهاية نترك ماضي الأرجنتين للأرجنتينيين، فكل أمة يكون لها ماضٍ به نقاط بيضاء ونقاط سوداء.

أذكياء ولكن أغبياء، هؤلاء الذين يحاولون أن ينسخوا الماضي، بالمناسبة عادل إمام لديه فيلم بعنوان «أذكياء ولكن أغبياء»، الفن أحيانًا يكون معبرًا عن الواقع.

بمناسبة 11 سبتمبر:

سنستعيد معًا ذكريات 11 سبتمبر، ولكن في عام 1973 وليس 2001.

دعني أخبرك باختصار ما الذي حدث:

في السادسة والثلث من صباح الحادي عشر من سبتمبر 1973، استيقظ الرئيس على اتصالٍ هاتفيّ، أخبره فيه بأن الأسطول الحربيّ المُتمركز قبالة سواحل مدينة فالبارايسو يطلب منه الاستقالة من منصبه، وبعد أن يئس سلفادور الليندي من الوصول إلى وزير الداخلية أو إلى القائد الأعلى للقوات المُسلحَّة الجنرال أوجستو بيونشيه، قرر أن يصطحب أعضاء حكومته وذويه ومُساعدته الخاصة وعشيقته ماريا كونتريراس وبعض الأصدقاء المُقربَّين ويذهب إلى قصر الرئاسة (لا مونيدا).

وطالب الانقلابيون، وفي صفوفهم كان يقفُ الجنرال أوجستو بيونشيه، الرئيس سلفادور الليندي بالاستقالة من منصبه، وعندما امتنع عن تنفيذ طلبهم هدّدوه بتدمير القصر الرئاسي على من فيه في تمام التاسعة والنصف صباحًا. وعقب تلّقيه هذا التهديد، قام سلفادور الليندي بإخراج أغلب الحاضرين معه من القصر، ودوَّت المدفعية بعدها اقتحمت قواتُ الجيش القصر الرئاسي.

أعلن سلفادور الليندي استسلامه وانسحب ومن تبقى معه إلى «صالة الاستقلال» داخل القصر. تقولُ الروايةُ الرسمية إنه انتحر هناك برصاصةٍ في الرأس، لكن من المُمكن أيضًا أن يكون من قتله هم الجنودُ المنقلبون عليه.

إذن بينوشي صنع انقلابًا على الرئيس. ولكن من هو المستشار الاقتصادي لبينوشي؟!

فريدمان هو المستشار الاقتصادي لبينوشي!

المهم:

المرة الأولى التي تعلم فيها فريدمان كيف يستغل صدمة أو أزمة هو عند عمله كمستشار لدى الديكتاتور التشيلي الجنرال بينوشي الذي قام بانقلاب عنيف أصاب الشعب بالصدمة، وأضر باقتصاد البلاد، وهنا تدخل فريدمان ونصحه بفرض تحول خاطف عن طريق خصخصة القطاعات الخدمية، وخفض الإنفاق الاجتماعي، حتى المدارس خصصت، سمي ذلك كله بثورة شيكاغو.

كان بجانب المعالجة بالصدمة الاقتصادية، هناك نظام المعالجة بالصدمة الجسدية لكل من يقف أو يفكر أن يقف في وجه التغييرات الجذرية.

وبما أننا بدأنا المقال عن أزمات مصر، فأحب أن أختم المقال بكلمات للدكتور مصطفى محمود عن رؤيته لأزمة مصر بشكل عام: «مشكلة مصر لم تكن الفقر، بل سوء الإدارة والمحسوبية والروتين وسيطرة غير الأكفاء على أكثر مواقع صنع القرار، وإهمال الأولويات وعدم الأخذ بأساليب العلم والعصر في المحاسبة والمتابعة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

• كتاب من يمتلك العالم لنعوم تشومسكي
• كتاب الاقتصاد العالمي الخفي
• كتاب عقيدة الصدمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد