يدور المقال حول تربية الأطفال, لكنه لا يبين لنا ما يجب أن يقوموا به أو كيف يجب أن يتصرفوا. وبدلًا من ذلك, يبين كيف نؤثر في أطفالنا بحيث نشجعهم على التفكير في حل المشكلات, بحيث لا نفرض عليهم حلولًا جاهزة لمشكلاتهم اليومية. ولقد أظهرت الأبحاث أنه إذا أمكن للأطفال أن يتعلموا حل المشكلات اليومية, فإنهم يصبحون أقل ميلًا إلى الاندفاع أو عدم الحساسية أو الانطواء أو العدوان أو معاداة المجتمع, ومن المهم جدًا وقف هذه السلوكيات السلبية.

ما هي طرق التفكير؟

  1. كيف يجب أن نفكر, لا بماذا يجب أن نفكر.
  2. اللعب بالكلمات.
  3. فهم المشاعر.
  4. البحث عن حلول بديلة.
  5. دراسة العواقب.

كيف يجب أن نفكر، لا بماذا يجب أن نفكر

كيف تتصرف تجاه طفلك عندما يلح في طلب شيء ما أو يبكي؟ ما رد فعلك عندما يقوم بضرب طفل آخر أو يسرق دميته؟ ماذا تقول عندما لا يصغي إليك أو لا ينفذ ما تطلبه منه؟
ربما يستجيب أحدنا لهذه الأنواع من التصرفات بعدة طرق؛ فربما يختار أحيانًا أن يتجاهل المشكلة. وأحيانًا, قد يقول لأطفاله ما يجب أن يقوموا به وما لا يجب, ويشرح لهم السبب أيضًا. وقد قامت معلمة في إحدى دور الحضانة بتجريب هذه الطرق كافة, ولكن أيًّا منها لم تنجح دائمًا. والسبب ببساطة: أنها كانت تفكر بالنيابة عن الطفل, بدلًا من تعليمه كيف يفكر لنفسه وتهيئ له المهارات اللازمة.
الآن, أريد أن يتعرف القارئ إلى أمير (4 سنوات). كان أمير, قبل أن تبدأ أمه بتطبيق طريقة التفكير لحل المشكلات؛ صبيًا متهورًا وعدوانيًا, لا يحسن حل مشاكله الخاصة. ولا يمكنه أن يقدر كيف يشعر الآخرون نتيجة لتصرفاته, حيث تصعب مشاركته أو التناوب معه وكثيرًا ما يلجأ إلى ركل أو خطف ما يريده.
فعلى سبيل المثال شارك أمير يومًا رفيقه عمر بأحجاره المغناطيسية, ولكن سرعان ما راح يطالب باسترجاعها فورًا. وعندما رفض عمر, حاول أمير انتزاعها منه بالقوة, فرد عليه عمر برفسة قوية، وهكذا راح الاثنان يتعاركان. استشاط أمير غضبًا فراح يصرخ ويرفس بقوة. فخاف عمر وانسحب وبذلك حصل أمير على ما يريده.
كانت أخته سندس (6 سنوات) على نقيضه تستجيب لمشكلاتها مع أصدقائها بطريقة مختلفة. فعلى سبيل المثال رغبت سُندس يومًا بشيء تملكه رفيقتها لوجي. طلبت سندس من لوجي أن تعطيها كوبًا من بذور نباتية. وعندما رفضت طلبها، لم تتسبب سندس بنشوب مشكلة جديدة عن طريق رد فعل متهور. وعوضًا عن ذلك جربت سندس خيارًا آخر. «عندما أشتري دراجة كبيرة, سوف أسمح لك بركوبها». فردت لوجي بشيء من التحدي «قلت لا!». فسألتها سندس «ماذا ستفعلين بها؟» فأجابت لوجي سوف أزرعها, وبعد دقائق عادت سندس تحمل رفشًا مملوءًا بالرمل وتقدمه لها قائلة:

«سأساعدك في طمر هذه البذور. وستكون زهرتان لك وزهرتان لي. ما رأيك؟», ثم راحتا تحصيان البذور, وتطمرانها.

تشترك سندس بالكثير مع الآخرين ممن يحسنون حل المشكلات, فعندما لم ينجح حلها الأول للحصول على كوب من البذور, جربت وسيلة أخرى. ولكن تلك لم تنجح أيضًا. وعندئد, اكتشفت أن هناك سببًا وراء رفض لوجي للمشاركة, وهو رغبتها في زراعة تلك الحبوب وهذا فتح الباب أمام سندس, لكي تطرح فكرتها حول أن تقوم كل منهما بطمر جزء منها. وكان ممكنًا لسندس أن تصرخ ولكنها كانت قادرة على التفكير في أن توفق بين حاجتها وحاجات لوجي.

وهذا هو الهدف: تعليم مهارات التفكير لحل المشكلات للأطفال الذين لا يحسنون حلها وتنميتها لدى الآخرين.

تخوفت الأم في البداية من فكرة أن تترك لأطفالها حرية التفكير خوفًا من احتمال ألا يفكروا بطريقة صحيحة, ولكن التشديد على طريقة حل المشكلات لا يدور حول حل المشكلة بشكل صحيح, بل حول مساعدة الطفل على التدريب على التفكير بعملية حل المشكلات بحيث يمكنه التعامل مع المشكلات الجديدة عندما تواجهه في المستقبل.

تعالوا نر كيف ساعدت الأم طفلها على التفكير لحل المشكلات عندما علمت بأمر الشجار الذي حدث بين طفلها وزميله في المدرسة.

الأم: قال لي معلمك, يا أمير, إنك خطفت اللعبة. فأخبرني بما حدث. (تساعده على تحديد المشكلة).

أمير: أخذ عمر أحجاري المغناطيسية, ورفض أن يعيدها.

الأم: ولماذا حاولت استعادتها فورًا؟ (تحاول أن تحصل على مزيد من المعلومات).

أمير: لأن دوره في اللعب كان طويلًا.

الأم: وكيف كان شعور عمر عندما خطفت منه اللعبة؟ (تساعد الطفل على التفكير بمشاعر الآخرين).

أمير: لقد غضب, ولكنني لم أهتم به, لأن اللعبة لي.

الأم: وماذا فعلت عندما خطفت منه اللعبة؟ (تساعد الأم طفلها على التفكير بعواقب عمله).

أمير: ضربني.

الأم: وكيف كان شعورك؟ (تساعد الطفل على التفكير بمشاعره أيضًا).

أمير: غضبت جدًا.

الأم: تغضب أنت وصديقك وتتشاجران, فهلا فكرت في طريقة أخرى لاستعادة دميتك, وتتفادى بها الشجار والضرب؟

أمير: كان يمكنني أن أطلبها منه.

الأم: وما الذي سيحدث بعد ذلك؟

أمير: قد يقول لا.

الأم: فهل من طريقة أخرى يمكنك بها استعادة دميتك؟ (تشجعه على التفكير).

أمير: كان يمكنني أن أتركه يلعب بدميتي السيارة.

الأم: يا لها من فكرة جيدة. الآن فكرت بأكثر من طريقة.

ونلاحظ هنا أن الأم ساعدت طفلها أن يفكر بمشاعره الخاصة ومشاعر الآخرين, والعمل البديل الذي يمكن أن يقوم به.

اللعب بالكلمات


تدور طريقة التفكير لحل المشكلات حول الأساليب التي تساعد الأطفال على التفكير بمشكلاتهم. وسنقوم الآن بدراسة ستة من أزواج الكلمات التي تشكل الأساس في الحوارات بهذه الطريقة: يكون/ لا يكون – و/ أو – بعض/ كل – الآن/ لاحقًا – التشابه/ الاختلاف.

ومع أن الطفل قد يكون على علم بكل هذه الكلمات أو معظمها, إلا أننا سنستخدمها بطريقة خاصة في التفكير لحل المشكلات وسوف تدخل في نشاطات شبيهة باللعب, وسيضحك الأطفال عندما نبادرهم بالقول «ماما تكون سيدة وليست قطة»، و«هل ترى أن نتناول هذه الموزة قبل أو بعد تقشيرها؟» وغير ذلك.

يجب أن تستخدم هذه الكلمات على شكل لعبة, لأن الأطفال عندما يتعلمون ربط الكلمات باللعب, فإنهم يصبحون أكثر ميلًا إلى استخدامها عندما يحين وقت حل الخلافات. فعلى سبيل المثال, إن هذه الأزواج من الكلمات تساعد الأطفال على تقدير ما إذا كانت فكرة صالحة أو غير صالحة, وسنرى أمثلة على ذلك.

اللعب بالكلمات أثناء تناول الطعام

«هذه تكون بيتزا, ولا تكون…».

«هل تناولت بعض أو كل البيتزا؟».

«دلوني على شيء يشبه البيتزا لونًا، دلوني على شيء يختلف عن البيتزا شكلًا».

«هل نتناول البيتزا قبل أو بعد أن نذهب إلى النوم؟».

«هل تريد المزيد من البيتزا الآن أو لاحقًا؟».

يمكن ممارسة لعبة الكلمات في أي مكان؛ في السيارة, أو المتجر، أو حول طاولة الطعام، يكون فيه أحدنا مع الأطفال بصورة طبيعية.

تعالوا الآن لنرى كيف ساعدت اللعب بالكلمات الأم, لتحل الخلاف الذي حدث بين أمير وسندس.

أمير: سندس لا تريد أن تلعب معي.

الأم: إنها تكتب واجباتها الآن. فهل تظن أنها يمكنها أن تلعب معك بعض الوقت أو كل الوقت؟

أمير: كل الوقت.

الأم: أتظن أنها يمكن لها أن تكتب الواجب وتلعب معك في وقت واحد؟

أمير: لا أظن ذلك.

الأم: ألا يمكنك أن تفكر بشيء آخر تفعله الآن؟

أمير: سألعب بشاحنتي.

الأم: يا لها من فكرة جيدة! يمكن لسندس أن تلعب معك لاحقًا.

فهم المشاعر

واجهت أمير (4 سنوات) مشكلة ما, فلجأ إلى حلها بالطريقة الشائعة الخالية من الإحساس. حيث دفع أخته من على الدراجة, لكي يركبها هو. لا شك أنه مشهد مألوف في أي مكان, ويعتقد بعض الخبراء في نمو الطفل أن هذا يحدث لأن الأطفال لا يمكنهم أن يفكروا كيف يمكن لتصرفاتهم أن تؤثر على مشاعر الآخرين.

ولكن تبين لاحقًا أن الأطفال يمكنهم أن يتعلموا مراعاة المشاعر ويستخدموا تلك المعلومات في التفكير لحل المشكلات.

والخطوة الجديدة في طريقة التفكير لحل المشكلات, تساعد الأطفال على تطوير عادة التفكير بالمشاعر لحل المشكلات التي تواجههم. فالطفل الذي تواجهه مشكلة من نوع مشكلة أمير, سيتعلم أن يتوقف ويتأمل «عندما أفعل ذلك ستغضب سُندس». «إذا فعلت ذلك ستتألم سندس», إذًا خطوة مهمة في طريقة التفكير لحل المشكلات هي فهم المشاعر.

عندما تأكد للأم أن أمير وسُندس أصبحا يستخدمان كثيرًا الكلمات الخاصة بالتفكير لحل المشكلات, بدأت تضيف الكلمات والأسئلة التي تعبر عن المشاعر مثل؛ سعيد, حزين, غاضب, فخور، ومحبط. بدأت الأم اللعب حول المشاعر مع التشديد على طرق ثلاث يمكن بها التعرف على مشاعر الآخرين. فتارة تغطي وجهها وتضحك بشكل مثير جدًا, ثم تسألهما ما إذا كانت سعيدة أم حزينة؟ وتارة أخرى تغطي وجهها وتبكي, ثم تسألهم عما إذا كانت حزينة أم سعيدة؟ وهكذا يتعرف الأطفال على مشاعر الآخرين.

البحث عن حلول بديلة

سيتعلم الأطفال من تلك النشاطات أن هناك أكثر من طريقة لحل مشكلة ما. وهذا يشجعهم على التفكير بأكبر عدد ممكن من الحلول المختلفة للمشكلة.

إن الإجراء العام للحلول البديلة يكون كما يلي:

  1. نعرض المشكلة أو نحمل الأطفال على عرضها.
  2. نقول إن الفكرة تتطلب أكثر من طريقة لحل المشكلة.
  3. تسجيل كافة الأفكار.
  4. سؤال الأطفال عن حلول متعددة للمشكلة.

فمثلًا عندما أرادت سندس أن تلهو بلعبة الفيديو الخاصة بأمير بينما هو رفض ذلك, أخذت الأم تساعد سندس على إيجاد حلول, مثل:

  1. أطلب منه بلطف.
  2. أعطيه بعض الحلوى.
  3. أسمح له أن يلهو بألعابي.
  4. أبكي فيشعر بالحزن من أجلي.

دراسة العواقب


من خلال مهارة دراسة العواقب أو التفكير اللاحق, سوف يتعلم أطفالنا أن ليس كل الحلول التي يضعونها لمشكلة ما, قد تكون مناسبة. حيث يصعب على الأطفال أن يفكروا – في وقت واحد – بما يمكنهم أن يقوموا به وبما يمكن أن يحدث نتيجة لقيامهم بذلك العمل, ولكن الأبحاث أثبتت أن الأطفال في الرابعة يمكنهم أن يفعلوا ذلك بصورة جيدة في الوقت المناسب. آخر مرحلة هي التى تجعل طريقة التفكير لحل المشكلات مهمة جدًا بالنسبة لأطفالنا حاضرًا ومستقبلًا. فالأشخاص الذين يستجيبون لمشكلاتهم مع الآخرين بطريقة قاسية, لا يفكرون عادة بنتائج حلولهم قبل وضع تلك الحلول موضع التنفيذ. وعلى العكس من ذلك, الأشخاص المدربون بهذه الطريقة أكثر قدرة على حل خلافاتهم اليومية بطرق معقولة وسليمة, لأنهم قد تدربوا على مهارة التفكير اللاحق.

فالأطفال قد يتفقون على أن خطف دمية من صديق هو حل جيد, لأننا «نحصل على ما نريد». فإذا قدموا حلولًا تبدو غير مناسبة أو غير مرغوبة, فيمكننا أن نحملهم على إعادة تقويم أفكارهم, وذلك عن طريق طرح أسئلة مثل: «كيف سيشعر… إذا قمت بذلك؟»، «ما الذي يمكن أن يحدث إذا فعلت ذلك؟»،

«ما شعورك إذا فعلت ذلك؟»، «هل هناك شيء مختلف تقوم به لمنع حدوث ذلك؟».

ختامًا أقول, قد يغفل كثير منا أحيانًا استخدام هذه الطرق, فنفرض على أطفالنا الحلول والأفكار الجاهزة لحل مشكلة ما, بدلًا من تهيئة الفرصة لهم لكي يفكروا في إيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتهم اليومية, عسى أن يكون الجيل القادم من الفلاسفة والمفكرين وكم أتمنى ذلك!

لمزيد من المعلومات والأنشطة حول هذا الموضوع, يمكنكم قراءة كتاب (كيف نعلم أطفالنا طرق التفكير) تأليف ميرنا ب. شوريه وتيريزا فوي دايجرونيمو، وترجمة أحمد رمّو.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد