نحن في عصر لو اختصرناه بكلمة لكانت: «حيونة الإنسان». الكل اليوم يفكر بالطريقة التي ستجلب الحد الأقصى من المصلحة لنفسه وليس لمصلحة الكل والجماعة. كلمة أنا سيطرت على النفس البشرية اليوم. كلمة مستقبلي، ولدت فينا حب أنفسنا الأعمى والذي لا نهاية له. لقد نسينا الضمير الذي بدونه لن نرتقي أبدًا ما حيينا. لقد نسينا الضمير «نحن». معظمنا لا يعمل لمستقبلنا، لمجتمعنا، لوطننا، بل يعمل لأجل واحد فقط، يعمل لأجله وفقط لأجله، يعمل ليكسو رضا غريزة الطمع والأنانية له. يجتهد وينجز الذي فيه الخير لما يتطلع إليه وليس لما نتطلع إليه. لقد نسينا الضمير نحن، وبحجم نسيانا لذلك الضمير تذكرنا لضمير الأخر «أنا». تركنا الحكم في بلادنا للظالمين، أعطينا الكراسي لمن لا يستحقون أي يقربوا عليها. أخفقنا في كل شيء كاد أن يحقق المصلحة العامة كي نعزم على تحقيق مصالحنا الخاصة والتي لن تتحقق أبدًا ما دام المجتمع بحاجة إلى من يقدم له خيرًا. «اللهم نفسي اللهم نفسي» إني أرى تلك الجملة كل يوم متمثلة بأفعال من أبناء وطني. فمتى تستبدل تلك الأفعال بأفعال أخرى متمثلة باللهم كلنا، اللهم كلنا؟

في الأمس صارت حادثة في مجلس النواب الأردني وهو المجلس الذي يمثل شعبنا عبرت عن كل الأزمة الأخلاقية التي تمر بها البلاد. هذه الحادثة تمحورت بجملة «اللهم نفسي». تبدأ القصة إحدى نواب مجلس البرلمان حيث أنه كان يوعظ من حوله بوجوب الاحترام المتبادل وبوجوب تجنب الأعمال القبيحة داخل المجلس كالمشاجرة والعديد من الاعمال غير الخلقية. في غضون دقيقة فقط بعد تحدثه عن تلك النصائح والمواعظ ندب شجار بينه وبين نائب آخر انتهى بالقتال والهجوم على بعضهم البعض والتصرفات غير الإنسانية الأخرى. نعم، هذه القصة تروي حكاية معاناتنا هنا في الأردن، وفي نفس الوقت تروي قصة الجهل الذي ما زال يجتاح عقول المواطنين والذين ما زالوا ينتخبونهم أنفسهم في كل مرة.

علينا أن نفهم بأن ما نقوله من موعظة أو من أمر أو من أي شيء آخر هو قول علينا نحن تنفيذه بأنفسنا قبل المطالبة بتنفيذه من الذين تحت سلطتنا. المشكلة التي نواجهها اليوم هي التهرب من المسؤولية المشتركة لتحقيق المصلحة الشخصية والمنفردة. نحن مجتمع واحد نحيا على أرض واحدة هدفنا هو إعمارها وجعلها مكانًا أفضل للعيش. اليوم نحن نبذل كل وسعنا لجعلها مكان أفضل للعيش، ولكن ليس لتكون أفضل للعيش لكل المجتمع، بل للفرد نفسه. هذه العقيلة التي تحكمنا، هي نفسها التي تدمر روح النهضة في البلاد التي نحيا بها. النهضة بالبلاد والازدهار بها يتطلب جهدًا جماعيًا والعمل على هيئة فريق واحد أعضائه المواطنين أنفسهم. هذه الجهد سيصب في مصلحة المجتمع نفسه لا الأفراد فقط. عندما نتطلع إلى الأمور كلها معظمنا يفتقر إلى قدرة رؤيتها من منظور مختلف، أو من زاوية أخرى. التكافل والقدرة على النظر للأشياء كما ينظر إليها الآخرون.

العمل لتحقيق المصلحة الفردية هو أحد أنواع الرذيلة، وأما الفضيلة هي في العمل عندما يكون ذلك العمل لأجل الوطن، لأجل المجتمع الذي أنت حوله، اليوم نحن نفتقد لشيء يدعى بالعطاء، نحن نأخذ ونعطي إن كان ذلك الأخذ يصب في مصلحتنا الفردية، ولكننا لا نعطي إذا كان الأخذ يصب في مصلحة المجتمع. نحن بحاجة إلى الانتقال والتقدم بإنسانية طريقة تفكيرنا. نحن بحاجة إلى الكف عن التفكير بكلمة أنا، والبدء بالتفكير بكلمة نحن. يصل كمال الإنسانية عندما يصل الشخص إلى المرحلة التي يعظم فيها خدمة الذين حوله، وعندما يعطي الآخرين على حسابه الشخصي. هنا يقع كمال مواطنة المواطن. عندما يضحي الفرد لأجل مجتمعه، هو يقوم بعمل أثره الإيجابي على وطنه وبلده كبير، مع أن أثره على نفسه هو الأكثر سلبية، فالموت عند معظم البشر هو الشر الأعظم. فإذا فكرنا في التضحية ببعض من المكاسب، وهذا شيء قد يعتبر سلبيًا لبعض الناس، حتى نبني بهذه المكاسب جزءًا من الوطن.

المرحلة القادمة التي يجب علينا اجتيازها، هي المرحلة التي سنتوقف فيها بالتفكير في أنفسنا، والتي سنبدأ بها التفكير في مجتمعنا. التصويت للذين يستحقون المقاعد، المحافظة على الممتلكات العامة، العمل على توعية الآخرين، تقديم العون والمساعدة للآخرين، ادخار جزء من المال لإعطائه للفقراء والمساكين، والعديد من الأعمال الأخرى، هي أعمال تمثل رغبتنا بالنهوض ودليل على حبنا لوطننا. علينا أن نبدأ بالنهوض بالوطن وعلينا أن نرجع في التفكير في طريقة تفكيرنا. إن الطريقة التي نتخذ فيها قراراتنا عليها أن تتغير للأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات