شهدت مصر في فترة ما بعد ثورة يناير، وحتى انقلاب يوليو الذي نفذه عبد الفتاح السيسي، حالة رهيبة من الجدل في شتى الموضوعات في المجال السياسي والفكري والاجتماعي، لم تكن هذه مشكلة، لكن المشكلة كانت في أن جل من يتصدى للخوض في هذا الجدل إما شخص يريد أن يخوض مع الخائضين، وإما شخص مدفوع بغبينة ما تجاه طرف ما أو فكرة ما، أو شخص مدفوع من طرف ما يريد خلق حالة الفوضى الكلامية، والذي يحدث في السودان في المرحلة الانتقالية التي تفصلنا أشهر قليلة عن إنقضاء عامها الأول لا يختلف في المجمل عن ذلك الذي كان يحدث في مصر.

لا يدرك معضلة أن يصل الناس إلى هذه الحالة إلا قليل ينشدون النظر إلى الأمور على ما هي عليه، وتقييمها بما تستحقه، ومحاولة كشف الأسباب التي أوصلت لحدوثها، وكاتب هذه السطور يعلم عن نفسه أن مجرد باحث لهؤلاء النفر القليل، عسى أن يفهم حقيقة ما يجري وراء أمر أثار جدلًا كبيرًا في الأسابيع الماضية، مثل خطاب الدكتور عبد الله حمدوك لمجلس الأمن، والذي يطلب فيه بعثة أممية بمهام معينة تحت الفصل السادس.

الخطاب حدد ستة أمور أساسية، أدرجت في ولاية البعثة السياسية وهي متعلقة بتنفيذ الإعلان الدستوري ومفاوضات السلام الجارية، والمساعدات الاقتصادية، والدستور، وإصلاح المنظومة القضائية، والأمن، ومعالجة أزمات مناطق النزاع، وإعادة اللاجئين، وكما هو واضح فالبعثة التي يريدها الدكتور حمدوك يجب أن تقوم بالمهام المحددة على نطاق واسع يشمل كل البلاد وبناء خطة لبرنامج إنمائي طويل المدى، يساعد السودان على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وكذلك عبَّر عن ضرورة وصول البعثة في أقرب وقت ممكن للشروع في تنفيذ المهام.

الاعتراضات على الخطاب كانت كثيرة، ولكن معظمها يتمحور حول فكرة بعينها، وهي أن الأمم المتحدة متذرعة بهذا الخطاب ستحتل السودان وتنزع عنه سيادته، ولن يكون للسلطة الانتقالية بموجب هذا الخطاب أي قرار في أي شأن في البلاد، وذهب البعض بعيدًا واتهم حمدوك بالخيانة العظمى، وطالب الجيش باعتقاله.

معلوم أن مجلس الأمن يقوم بمهامه تحت أحد فصلين في ميثاق الأمم المتحدة، وهما الفصل السادس والفصل السابع، أهم فرق بين العمل تحت الفصل السادس والفصل السابع هو إمكانية التدخل العسكري وهو الأمر الذي يتيحه الفصل السابع، أما الفصل السادس فالعمل بموجبه يكون فقط في الإطار السلمي، والذي فيه قد يعبِّر مجلس الأمن عن إرادته في تقارير أو توصيات أو حتى قرارات، ومع ذلك تظل كلها غير ملزمة بحال للأطراف الأخرى.

نلاحظ في خطاب حمدوك للأمم المتحدة أنه استخدم عبارة «المساعي الحميدة» في مقدمة الخطاب، وفي النقطة (ب) المتعلقة بمفاوضات السلام، والمقصود بالمساعي الحميدة هو الجهود التي يبذلها طرف ثالث لإقناع أطراف النزاع بالبحث عن حل لنزاع، أو البدء بالتفاوض المباشر، وهذا يختلف عن الوساطة، التي هي المشاركة في صناعة الحلول، وبما أن حمدوك ليس بعيدًا عن عمل المنظمات الدولية والأمم المتحدة، فهو يعلم جيدًا دلالة المصطلحات، وبالنظر في صياغة المهام في الخطاب في النقاط الست سنجد أنها إما (دعم) لتنفيذ الإعلان الدستوري، وإما (توفير الدعم بالمساعي الحميدة) لمفاوضات السلام، وإما (المساعدة) في تعبئة المساعدات الاقتصادية، وإما (تقديم الدعم التقني) في وضع الدستور، وإما (المساعدة) في توطيد المكاسب في دارفور.

إذن نحن نتحدث عن بعثة ذات دور داعم لتنفيذ هذه النقاط، التي هي أصلًا مهام المرحلة الانتقالية بحسب الوثيقة الدستورية، وكل ما تقدمه من توصيات غير ملزم بأي حال للحكومة الانتقالية بحكم أنه تحت الفصل السادس، وأذكر هنا ما قاله السفير عمر الشيخ مساعد الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق، أنه كان عضوًا في بعثة أممية إلى المغرب، بخصوص قضية الصحراء الغربية، تحت الفصل السادس، تقدمت البعثة بعد عمل دام لعشر سنوات بمقترح لحل شامل للقضية لدولة المغرب، وقد رفضت المغرب المقترح، وما زالت قضية الصحراء الغربية إلى يومنا هذا، ولو أردنا مثالًا معروفًا، فلدينا قرار الأمم المتحدة الذي يدعو الكيان الصهيوني للانسحاب من الأراضي التي احتلها عام 1967، ولم يُنفذ القرار، لم يكن للأمم المتحدة أن تقوم بأي خطوة أخرى؛ لأن القرار جاء تحت الفصل السادس.

بقيت نقطة أن حمدوك قدم الخطاب إلى الأمم المتحدة بدون تشاور مع باقي أطراف السلطة الانتقالية، وهذه نقطة قد يكون فيها جدل طويل يمكن أن يكون لحمدوك فيها مسوغات دستورية، متعلقة بتفسير مهام رئيس الوزراء وصلاحياته، لكن الأمر في نهاية المطاف لن يصل بحال إلى مرتبة ارتكاب الخيانة العظمى، والشائن هنا أن من يتهم حمدوك بالخيانة لا يتقدم بمذكرة للمحكمة الدستورية يتهم فيها الدكتور حمدوك، بل يطالب الجيش بالتدخل لاعتقال حمدوك، وهذا لعمري ضيق أفق؛ لأن هذا يعد مخالفة صريحة للوثيقة الدستورية التي هي المرجع القانوني للمرحلة الانتقالية، بل يعد انقلابًا صريحًا على سلطة شرعية يشهد عليها المجتمع الدولي، وبارك لها عموم الشعب السوداني.

هؤلاء افترضوا أن حمدوك نفذ هذا الأمر لتحقيق أهداف شخصية، وتجاهلوا حقيقة بسيطة، وهي أن تحقيق أهداف شخصية في مركز لا يدوم لأكثر من ثلاث سنوات بمهام ومسؤوليات جسيمة أمر مستحيل، الدكتور عبد الله حمدوك قرر غير مجبر تولي هذا المنصب وهذه المسؤولية، وهو بين شريك كان وما زال بعيدًا عن أي مساءلة قانونية أو غير قانونية عما يفعل، وبين حاضنة سياسية هي أول من يعوقه عن القيام بمهامه للإصلاح السياسي والاقتصادي، وبين حركات مسلحة تتذرع بمفاوضات السلام لتعوق إكمال هيكلة السلطة الانتقالية؛ حتى تضمن لنفسها صفقة رابحة تضمن لها مكانّا في الساحة السياسية، تعلم أنها لن تنالها باستحقاق.

في كل الأحوال خطاب حمدوك لا يستحق هذه الضجة وهذا الجدال البيزنطي؛ لأن الخطاب هو جزء من سياق مشهد معقد، يحدث فيه الكثير خلف الكواليس، وفي رأيي فهناك أطراف خارجية عديدة تؤثر حاليًا في صناعة القرار السيادي لتحقيق مصالح لا علاقة للسودانيين بها، ولو أردنا مثالًا على ذلك نقول إنه على الرغم من التحركات التي قام بها حمدوك، والزيارات التي قام بها، والشخصيات التي التقاها، والمؤتمرات التي شهدها، والمساومات التي قام بها في قضية المدمرة كول، أو غيرها في سبيل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، اكتشفنا أن الثمن الحقيقي لهذا هو التطبيع مع الكيان الصهيوني، الأمر الذي بادر رئيس المجلس السيادي إليه من خلال لقاء بنيامين نتنياهو دون أن يكون هناك رأي لأطراف السلطة الانتقالية.

بالنسبة لي فأنا أؤمن بأن أنجح الحلول لأي أزمة سياسية في أي بلد هي التي يضعها أهل البلد أنفسهم ويتوافقوا عليها، ولأن هذا بعيد المنال في حالتنا هذه، يحاول حمدوك موازنة الكفة بشكل ما عسى أن يجد له داعمًا حقيقيًّا يعينه على القيام بمهامه مقابل محور إقليمي يدعم شريكه الحالي في الحكم منذ الأيام الأولى بعد سقوط البشير، وبالنسبة لنا فمعركتنا الحقيقية هي معركة التجرد من كل ما قد يؤثر في حكمنا على الأمور، حتى يكون لنا نقد موضوعي لأطراف السلطة الانتقالية بغرض تقويمها أو تغييرها إذا تطلب الأمر، وليس لأن هذا هو إرادة رويبضة تبوأوا درجات ومراكز بمسميات هم أبعد ما يكون عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمم, المتحدة, خطاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد