عزيزي أورويل!

نحنُ في ليلة خريفية من العام 2020، يجلس شاب في العشرينات من عمره وحيدًا أمام رف من الكتب التي قرأها، من «حيونة الإنسان» مرورًا بالعديد من الروايات، وكتب القانون، والفلسفة، وصولًا إلى رائعتك «1984» في آخر الرف، مثقلًا بتأملاته وأفكاره، وقد فكّر أن يكتب إليك، لأنه بكل أسفه، يظن أنك ستكون سعيدًا بتحقق ما تنبأت به!

عزيزي أورويل

يؤسفني أن أخبرك أن ما تصوّرتَه في روائعك الأدبية مطابق لما نعيشه، وقد يسعدك ذلك، لأنك كنت محقًا بشكل جعلك واحدًا من الكُتّاب الذين خُلدت أسماؤهم حتى اليوم.

مضت 71 سنة منذ أن تنبأتَ في روايتك 1984 بنظام شمولي يبني سلطته على القمع والتعذيب وتزوير الحقائق تحت ذريعة الدفاع عن الوطن، نظام تحكم فيه فئة باسم الأخ الأكبر، يجرد الناس من تفردهم وحرياتهم ويُخضع العلاقات الإنسانية لمراقبته، كما يجبر الأفراد على الخضوع لقواعد لا يخضع لها أعضاء هذا النظام!

وقد تنبأتَ بشاشة تنامُ في كل الزوايا، ترصد التفاصيل التي تشكل أيام الأشخاص في الشوارع والأزقة والمقاهي والمنازل وغرف النوم.. بل ترصد أيضًا شعورهم وأفكارهم لتُمكّن النظام من القضاء على أي فكر يعارض ديكتاتوريته، فالمعارضة فكرة، وجريمة الفكر تفضي إلى الموت!

ويؤسفني أن أخبرك عزيزي أورويل أننا اشترينا «شاشة الرصد» بمحض إرادتنا!

كثيرة هي الشاشات في عالمنا اليوم: التلفاز، كاميرات المراقبة، الألواح الإلكترونية، الحواسيب.. والشيطان الصغير الذي ينام في جيوبنا: الهاتف.

إننا نعيش في عالم انتهَكت فيه الأجهزة الذكية خصوصيتنا، وبمحض إرادتنا كشفنا للأخ الأكبر عن كل بياناتنا التي يحتاجها من آخر بضاعة اشتريناها إلى آخر فكرة فكّرنا فيها، وسلّمنا أفكارنا لشركات جعلت منا بضاعة لشركات وأنظمة أخرى!

عزيزي أورويل!

لقد جرى التلاعب بالتاريخ، ويؤسفني أن أخبرك، كما قد يسعدك أن تعرف، أنك كنتَ محقًا عندما كتبتَ: «لقد رأيت معارك كبيرة يُكتب عنها، عندما لم يكن هناك معارك. وصمتًا كبيرًا عندما كان يقتل مئات الرجال. لقد رأيت القوّات التي كانت تحارب بشجاعة تدان بالجبن والخيانة. وآخرون لم يحاربوا قطّ ولم تطلق عليهم طلقة واحدة يَحيَون كالأبطال في معارك وهميّة».

كنتَ محقًا لأننا رأينا ضباطا في جيش الاستعمار أصبحوا وطنيين وتسلموا مناصب في الجيش، ولأننا رأينا الكثير من الخونة الذين لُمّعت صورتهم، ووجدناهم في مقرراتنا المدرسية أبطالًا! وفي المقابل مات الكثير من المقاومين دون أن تصلنا أسماؤهم وشُردت أسرهم بعدهم!

إنني حين أتأمل كتاباتك، أتخيل أنك كنت تنظر إلى المستقبل من النافذة، لأنك كنتَ دقيقًا جدًا، ففي عالمنا اليوم نعتبر أن الحرب سلام، والحريّة عبوديّةً، والجهل قوّةً! فقد خاضوا حروبًا باسم السلام، لكنهم أخذوا سلامنا وتركوا لنا حروبهم وما بعدها. أما الجاهل عندنا فأكثر اندفاعًا، وأكثر قوة، وجرأة من العالِم!

عزيزي جورج!

إن كذبة اليوم تصبح تاريخ الغد ثم تصبح حقيقة، ووزاراتنا، كما تنبأتَ لها، تصدر «أكاذيب يومية» وتنجح غالبًا في التلاعب بعقول عامة الشعب وإقناعه بأن الجحيم الذي يعيشه جنة لا مثيل لها. ويؤسفني أن أقول لك، وقد يخيب ذلك أملك، أن لا أمل في عامة الشعب لأن أنوف أفراده منشغلة بحياة الآخرين، ولا شيء من قضايا العالم يستفزهم، وإن حدث ذلك، يحدث بخجل واستحياء فيستنكرون الحدث بشكل عابر عبر تغيير صور حساباتهم على مواقع التواصل!

عزيزي أورويل!

لقد كنتَ محظوظًا؛ إذ أغناك موتك بمرض السل في سن صغير عن مشاهدة مزيد من القمع والاستبداد؛ لأن العالم بعدك آل إلى مزيد من الخراب!

من حرب الفيتنام إلى الثورات العربية، مرورًا بالحرب الباردة، والحرب الكورية، والحرب الأهلية اللبنانية، والحرب العربية الإسرائيلية، وغزو الكويت، وحرب العراق.

وقد راكمنا خلال العشر سنوات الأخيرة ثورات في الكثير من بلدان العالم، ويؤسفني أن أقول لك، كما قد يسعدك أن تعرف أن هناك الكثير من أشباه الخنازير التي أفسدت ثورة الحيوانات في المزرعة، وقضت على أحلام الإنسان في نظام ديمقراطي.

وإذا أردتَ أن تعرف أكثر، فإن كل ثورة في بلداننا اصطدمت بثورة مضادة، فروح الخنزير الكسول تجري في دماء بعض قادتنا، والكلاب في عالمنا آلة إعلامية ضخمة تقلب الحق باطلًا والباطل حقا.

لقد نجحت ثوراتنا في بداياتها في إزالة الطغاة، تغنت بنصرها وفرحت الشعوب بحريتها وكرامتها، وربت أملًا خادعًا في وطن تكون فيه «جميع الحيوانات متساوية»، لكن، ولأن روح نابليون تسكن بعض القادة، أفسدوا كل شيء، وأصبحت «هناك حيوانات أكثر مساواة من غيرها»، ليجد الأشخاص الذي آمنوا بالإصلاح أنفسهم خونة منفيين. وكي تكتمل الصورة، إني أرى تلك الشعوب اليوم تتغنى بإنجازات لا تنال منها إلا السراب، وأرى الغربان تلهي الشعوب بجبال الحلوى وراء السحاب، وبحياة أفضل في مكان آخر شريطة الطاعة والعمل.. وحين تسوء الأمور ويقل الغذاء وتدَمر المطحنة، يُلام صانع الثورة لا حاكم المزرعة!

عزيزي أورويل!

يؤسفني أن أقول لك بصدق، وقد يسعدك أن تعرف، أن الموت المبكر حظ ليس في متناول الجميع، وأنت، في سن صغير، قلت كل شيء عن الساسة والسياسة والاستبداد، لذلك أقول ربما، لو بقيت حيًا إلى اليوم، فإنك لن تكتب شيئًا جديدًا لأنك فقط ستعيد كتابة ما كتبته منذ منتصف القرن الماضي.. ستعيد كتابة 1984 ومزرعة الحيوانات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد