سيدي البابا، إلى مقامك الرسولي الجليل، وشخصك الوقور العظيم، إلى قداسة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أرفع تحيتي وأقدم أعمق إجلالي.

أكتب إليك ونحن في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بعد ميلاد سيدنا المسيح له كل المجد، آلاف السنين مرت، تعلَّم الإنسان خلالها: أن الذي يميزنا – كبشر- عن باقي شركائنا في الطبيعة ليس العقل كما اعتقد أجدادنا، بل الذاكرة المركبة. فصرنا لا نتطور فقط كباقي المخلوقات، بل ونفهم هذا “التطور”، وأحيانًا نتدخل لتطوير هذا “التطوّر”.

 

فأسسنا علمًا لدراسة تطورنا الجماعي “علم الاجتماع” ندرس من خلاله، وبواسطة ذاكرتنا المركبة، كيف وصلنا لما نحن عليه .

فنعرف الآن أن لكلمة “مدنية ” معنى مختلفًا عما كان يفهمه أجدادنا أيام أفلاطون، وذلك نتيجة حروب طويلة مات تحت عجلاتها الملايين، طامحين في “حياة أفضل” فصار لكلمة “مدنية ” لدينا – نحن المصريون- الآن معنى يحمل الكثير من الآلام والآمال لتحقيق هذا الحلم الذي تحقق عند شعوب سبقتنا في هذه الحرب على ظلمة الاستبداد.

وكذلك مفاهيم كثيرة تطورت عبر تاريخنا كالعلمانية والحداثة والديمقراطية والحرية. صارت لنا ككلمات السر لأنها أصبحت “كالتقليد” الذي يسلمه هؤلاء الذين استمتعوا بشمس الحرية إلى الغارقين في بحور القمع والفساد.

سيدي، إن ما يميزنا عن باقي المخلوقات هو ذاكرتنا؛ فلنتذكر كي لا نبكي مع أديبنا “آفة حارتنا النسيان”.

المبادئ

سيدي، أمَرَتنا ذاكرتنا أن ندافع عن مبدأ “المدنية”، نحن لا ندافع عن المبادئ لكي نُوصف من الآخرين أننا “أصحاب مبادئ”. كلا، بل لأننا نعرف أن دفاعنا عن المبادئ التي نؤمن بها، لهو الضمان الحقيقي لتلك “الحياة الأفضل” التي نحلم بها، فنحن لم نقاوم حكم مبارك لعداوة شخصية بيننا وبينه – فنحن لا نعرفه شخصيًّا من الأصل– بل هي مقاومة للدفاع عن الحرية والعدالة والحق في حياة كريمة ولا كافحنا وناضلنا ضد وجود الإخوان المسلمين في السلطة لأننا نكرههم – فنحن لا نكره– بل دفاعًا عن مدنية الدولة التي كانت في خطر في وجودهم – ويبدو أنها ما زالت- نتيجة تدخل الدين في شؤوننا السياسية وتغليب العاطفة الدينية على المصالح الاجتماعية.

 

وسنظل نقاوم أي انتهاك لتلك المبادئ التي نؤمن بها لأنه انتهاك لحقوقنا وحريتنا ومستقبلنا، تلك القيم التي مات لأجلها أصدقاؤنا ورفاقنا في الميادين، القيم التي مات “مينا دانيال” يحلم بها للفقراء والمضطهدين من الأقباط في الدلتا والصعيد ومحافظات الحدود والعاصمة، ولحلم صديقي الذي مات من أجل مدنية الدولة قدسية عندي.

 

يا خليفة أثناسيوس، يا من تعلَّم في مدرسة كان “أوريجانوس” معلمًا لها. كتبت كل ما فات فقط لأقول لقداستكم أنكم انتهكتم أحد أهم مبادئنا التي لم يمت من أجلها رفاقنا فقط، بل – كما هو مكتوب في ذاكرتنا- الملايين من الشعوب والأجيال ساكني هذا الكوكب الصغير، ماتوا مطالبين بفصل الدين عن السياسة “مدنية الدولة” التي لا تعني فقط شيوخ الإسلام، بل وأيضًا كهنة المسيحية.

تصريحاتكم ومواقفكم السياسية ليست واجبًا وطنيًا، إن خالفناها أصبحنا منكرين لواجبنا الوطني ، بل هي “آراء” في السياسة نتفق أو نختلف معها حسب توجهاتنا السياسية. وهنا يكمن الخطر وتكمن الأزمة.

 

لأن آراءكم لا تعِّبر عن شخصكم الرفيع. فأذكركم أنه في يوم الأحد الموافق 31 يوليو من عام 1988، أقيمت صلاة طقس الرهبنة ليموت الدكتور وجيه صبحي عن العالم ويولد الراهب ثيؤدور في المسيح ليصبح في 18 نوفمبر 2013 رأسًا للكنيسة المصرية ومُعَّبِرًا ومتحدِّثًا باسمها، أنتم الآن “نحن”، شعب الكنيسة. هنا الأزمة لأن آراءكم لها قدسية مكانتكم. فكيف نخالفها إن خالفت آراءنا في الحكم والحاكم؟ وإن خالفناها كيف نصرِّح بهذا الخلاف مع الكنيسة؟!

سيدي، إن كنت لا تعلم من قتل شهداء ماسبيرو، اسأل شهود العيان، وإن شككت في ذاكرتهم، فاسأل الشاهد المنحوت على قبرهم، فالحجارة لا تنسى ولا تغير أقوالها.

أخيرًا، نحن نعيش في مجتمع بائس عاش 30 عامًا – على الأقل- من التطرف والجهل وانعزلت طوائفه في جزر منفصلة، غابت فيها قيم التعايش فأصبح مجتمعًا متحفزًا، لذا علينا أن نخطو للتقارب كمواطنين على أرض واحدة وليس كطوائف، وأن نترك جزرنا، لا أن نأخذها معنا. وقد تعلمنا خلال الأربعة أعوام الماضية، أن للآراء والاختيارات السياسية فاتورة. أقبِّل يديك لا تجبر الأقباط على دفع فاتورتك. أرجوك لا تكن أنت، بل كن “نحن”، كن الكنيسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد