سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي

تحية طيبة وبعد،

منذ أيام اعتقل المدون الشهير وائل عباس، وقبلها نشرت صورة اعتقال شادي، الذي عمل في برنامج أبلة فاهيتا من قبل، والذي اشتهر بنزوله مع الممثل أحمد مالك، وتوزيع واقٍ ذكري منفوخ على شكل بلون في عيد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وقبلها اعتقل المصور والصحافي محمد أكسجين، الذي لطالما حاول نظام سيادتكم غلق قناته على اليوتيوب، لما تنشره من حوارات وندوات معارضة لنظام سيادتكم، وقبلها أختفى الكاتب أحمد شاكر، ويستمر مسلسل الاعتقالات، وأنا أعلم يا سيادة الرئيس أنك تقوم بذلك لمصلحة الوطن؛ فهؤلاء الناس ارتكبوا جريمة يجب أن يعاقب كل فرد منهم عليها، فوائل عباس في نظر الناس شخص سليط اللسان، يكتب أشياء قذرة، وألفاظًا فاحشة، ويعارض نظام سيادتكم المصون، ونشر كتبًا من قبل، ولديه قاعدة جماهيرية، ويظن أنه يمكنه قول رأيه بقسوة والمعارضة، ويحسب أن هذا من حقه، يحسب أن من حقه إبداء رأيه.

أما شادي فهو شاب ينشر فيديوهات ساخرة ومعارضة، وقد أهان من قبل بحركة الواقي الذكري، وسخر من خير رجال مصر وأشرفهم، وأعرق وأشرف أنظمة الوطن، وهي الشرطة .

أما محمد أكسجين فهو مصور، أعطى لنفسه حق أن يصور ويجري حوارات صادقة بدون نفاق، ذلك النفاق الذي علمتنا سيادتكم والأنظمة التي سبقتك إياه، وعلمتنا كيف نطبل ونخون وطننا؛ فصارت خيانة الوطن من مجرد اسم على غلاف لكتاب للشاعر محمد الماغوط، إلى فعل شريف في بلدنا مصر؛ بل يشرب وينقل مع الرضعة لكل طفل، ويحسب أنه بتصويره لندوات الكاتب علاء الأسواني، طبيب الأسنان الذي كتب أربع روايات وباع ملايين النسخ، وتحولت كتبه لأعمال فنية، ولديه شعبية عالمية، ويعد من أهم الكتاب في العالم الذين على قيد الحياة، وقد نال شهرته بجانب قلمه عن طريق هجومه وتعرية الوطن، ومواجهته بحقائقه، وكتابة الواقع، ويحسب أننا نريد أن نعلم ما الواقع، أو نسمع له أو نقرأ له، ونعلم حقيقتنا، يظن بأننا نريد أعماله.

لقد خان علاء سيادتكم حين سمح لنفسه بكتابة أعمال فنية قوية للغاية، ولم يكتب ترهات، ولم ينافق وخرج عن قواعدنا وتقاليدنا الحبيبة، ودافع عن الحق والديموقراطية، ونشر كلامه في كل العالم مع كتبه المترجمة إلى أغلب اللغات ومقالاته، وسمح بأن يشوه حقيقة مصر، فبدلًا من نشر صورة مصر التي رسمتها معاليك؛ فقد نشر الصورة الواقعية منها. ونعود إلى محمد أكسجين، فلقد سمح لنفسه بأن يصور ندوات وحديث للدكتور ممدوح حمزة، والذي لا يفرق شيئًا عن دكتور علاء، وتصوير حوارات مع فقراء مصر، وجعلهم لا ينافقون ويستفيقون ويصرخون مطالبين بحقوقهم، فبأي حق يطلبون، هل يطالبون بالعدل والديموقراطية والمال؟ إن العدل والديموقراطية سمة من سمات الغرب وبلاء منهم، وأما المال فمصر مليئة بالخيرات، ولكن لا أحد يستغلها، لدينا مناجم ذهب، لا يريد أحد أن يستخرجها فنقوم بتركها للأجانب مقابل ملاليم بدلًا من أن تبقى تحت الأرض، ولدينا جزر لا يسمع عنها أحد، أليس الجار أولى بها لينتفع بها، ونحن أولى بخلو قدمنا منها، أوليست الأثار مركونة وليس لدينا سياحة، وليس هناك دخل منها، فلم لا نبيعها بكميات ضخمة للغرب حتى يتزين بتلك الحجارة، أليس هذا أفضل. أتذكر كلمات بعض السلفيين والإخوان الذين لطالما كانوا تحت جناح الأنظمة ينقلبون ويتصالحون دائمًا بحرمانية تلك الأثار لأنها أصنام، فها أنت يا سيادة الرئيس تخلصنا من تلك الأصنام، وتلك الذنوب، فهل هذا جزاء أفعالك معنا؟

هل جزاؤها أن يسخر بعض الشباب المنحل على مواقع التواصل الاجتماعي؟ أناشدك يا رئيس بأن تعتقلهم وتراقب تلك المواقع، مهلًا، تذكرت، أنت بالفعل تراقبها، وتعتقلهم واحدًا تلو الآخر.

أما أحمد شاكر فهذا شاب اختفى، والجميع يؤكد احتمالية أن يكون قسريًا، فلو صح هذا، أوليس ذلك الرجل يكتب وينشر الثقافة والمحبة ومعاني تشكل خطرًا على الأمة وعلى بلدنا الحبيبة مصر، فلو صح فهذا قرار حكيم من معاليك، وهل يصدر رئيسنا قرارًا غير حكيم؟

أود أن أحدث سعادتك عن نقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وعن سياسة سيادتك الخارجية وأن أبدي إعجابي بخطة معاليك بجعلنا نطبل ونوافق على كلام كل الدول، وننفذ مخططاتها، فهم أكبر منا مقامًا وحجمًا، ونجب طاعتهم، وسوف يجازيك الله على أعمالك تلك.

أما عن رفع الدعم وعن غلاء أسعار كل السلع، وعن زيادة صعوبة الحياة، فهو قرار حكيم لجعل الشعب يدرك أن الدنيا زائلة، وعليهم التفكير في آخرتهم بعض الشيء، وأن يعلموا قيمة القرش الذي كان أحيانًا يصرف على بعض الفاكهة، أو رغيف عيش زائد، وليعلموا أن زمن الرفاهية قد انتهى. ولا أنسى القرض من صندوق النقد وتعويم الجنية، وغيره، وغيره من سياستك الاقتصادية الموفقة لوضع مصر على خارطة الطريق.

ولا تحزن، ولا تغضب يا سيادة الرئيس من بعض الشباب الذين يتكلمون، ويحاولون إجهاض أعمالك الكبرى، فهم نسوا قولك بأن على الشباب ألا يتكلم بدون دراسة، لقد نسوا وظنوا أن لديهم علم الدنيا أو علم معاليك، ولا يعلمون أنهم جهلاء، فلا تغضب، وعاقبهم كما يعاقب الأب أبناءه، ولقنهم درسًا بألا يفتحوا أفواههم مرة أخرى، وأن يدركوا بأن معاليك ما تفعل سوى أن تصدر قرارات تصب في مصلحة الوطن، ومصلحة المواطن، والوطن قبل المواطن، وعلينا بالصبر، فنحن معك يا ريس حتى النهاية، وأدعو أن تكون نهايتنا نحن الشعب قبل نهايتك.

سياسة التعمير لديكم عجيبة، يجب أن تدرس، فما فعلته باقتحام جزيرة الوراق وتشريد أهلها لخطتك العظيمة المستقبلية بديعة، وأما عن سياسة التفاوض في شأن سد النهضة وخطط الاستيراد من الخارج، خطوة نحو المسار الصحيح. بمناسبة السياسة الخارجية، سياستنا مع إسرائيل وأمريكا سياسة رشيدة؛ فهي تقوي السلام والمحبة بين البلاد.

أتمنى يا فخامة الزعيم أن يكون قد راق لك اللافتات داخل الحرم الجامعي المؤيدة لك، والأغاني لك، والرقص ومواهب الشعب في التعبير عن فرحته، والحفلات التي أقيمت عند الجامعة، وميادين مصر الكبرى فرحًا بفوزك بالانتخابات، ويكون قد راق لك حملة الشعب الدعائية، فلقد كنت أمشي في وسط البلد وأجد الناس تتصارع لتعليق لافتات مؤيدة لك على محلاتها، وبيوتها، وتغطية عماراتها، حتى أصبحت مصر عبارة عن وجهك القمر الجميل وفقط، وأصبحت الدنيا أكثر بهجة وإشراقًا.

هل هذا كافٍ؟

لا أعتقد، أنا آسف يا أيها الرئيس؛ فلقد نافقتك كما تعلمت، وطبلت لك، وكتبت لك عن تجميل أقل عيوب حكمك ونظامك وعيوبك، لكني لست منافقًا، أنا أكره زيادة الفقر، والتفريط في أراضي بلدي، وأكره أن أتبع سياسة تضر بمصلحة وطني، وأكره أن يغيب العدل، والدين، والعلم، وكل شيء عن وطني، وأن تغيب صورة وطني وتنهبها حيتان النظام ورجال الأعمال. أكره صراخ الناس من الفقر، وغلاء الأسعار، وضيق العيشة. أبكي لسماع صوت أم لمقتل ابنها أو اعتقاله، من الصعب أن أسمع أمًّا تدعي بموت ابنها فهو أرحم له من التعذيب والاختفاء. أكره القهر وبغض الناس لوطنهم ورغبتهم في الهجرة، لكني لا أمقت أنظمة سابقة وحسب، بل أمقت الشعب أيضًا، ولا ألومك فلقد وجدت من ينافقك، وبالطبع أي مواطن يخاف سيخبرك بالكلام الذي في الأعلى، أو أي مواطن تنازل عن كرامته، وعن شرفه وشرف وطنه، نحن لو عارضنا لا يعني كرهنا لمصر، بل معنى ذلك حبنا لأن ينصلح كل عيب، لكن الشعب خان الدم الذي سفك في سبيله، وخان الثورة، ونسي من قتل ومن شرد، ونسي الثورة المجيدة وعلق لافتات تبايعك، وهم في السر يلعنون الفترة التي تمر بها مصر، ويلعنون نظامك، لم يعترضوا علنًا على غلاء المترو أو تدهور أي شيء، وخافوا واعترضوا همسًا، الشعب يستحق أيضًا ما ينال في نسيان العدل وتشربه الخوف والنفاق، فلا تنال أمة سوى ما تستحقها.

ولقد تعبت يا ريس وكرهت الحياة الزائفة تلك، وأتمنى رؤية أحمد دومة، أو شادي، أو محمد أكسجين، وغيرهم بين أهلهم. وأمقت نفاق المصريين وخوفهم، لكن اليأس الذي تملكني، والألم في صدري لا ينتهي سوى بدعوتي بأن يموت الشعب ويحيا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, رسالة, مصر
عرض التعليقات