في واحدٍ مِن أرَقّ خطاباته إلى إيلا؛ قال السيد فرناندز كما لو كان يُحادث نفسه:

«Life is strange…I think we forget things if we have no one to tell them to»

الجميل في الأمر أنه كان يُخبرُها عن شيءٍ كان أن لاحظهُ للتو، أو ربما خطاباته لإيلا هي ما أعادت إليه بصره ليرى الحياة من جديد فكان يعود إليها كطفلٍ صغير يحكي لأمه مغامراته واكتشافاته اليومية الصغيرة للحياة من حوله بمنتهى الشغف.

كان مُحقًا في قوله؛ الأشياء تُنسى وتسقط من ذاكرتنا إن توقفنا عن قَصِّها على أحدهم، رُبما أنت في حاجة لتُخبر أحدهم عن الشجرة التي اعتاد شباكك القديم أن يطل عليها واعتادت هي مشاركتك حكايا الليل مع السماء، لتتذكَّر معه كيف كانت تميلُ بِظلِّهَا على جدار البيت في الليالي القمرية فيكفيك منه نظرة حتى يهجر الخوف قلبك ويحل مكانه الوَنَس، أو أن تحكي له عن سمراء جميلة صادفتها يومًا على طريقٍ طويل فأعادت ترتيب قطع البازل في قلبك ورحَلَت، عن أسئلتك الوجودية التي تعبث في رأسك كما يحلو لها، عن أغاني فيروز و صوت مي نصر وملائكية عبير نعمة وتفرد ريما خشيش في عينيك وقوة هبة طوجي، عن لهوِ الحياة بك وخصامك مع العالم، عن الحُب، عن لحظاتك التافهة والجنون الذي يراودك بين الحين والآخر كي تُحَلِّق، عن الزهور والألوان وذوقك الغريب في الموسيقى، عن التفاصيل الصغيرة دون أن يتهمك بأنك كثير التفكير والتركيز متناسيًا لقائمة طويلة من النصائح كي تَكُفَّ عن هذا التدقيق، فالحكيُ خُلِق لهذه التفاصيل، خُلِقَ كي نُخَلَّدَ ذِكراها وتظل روحنا قادرة على تذوقها بعيدًا عن سخرية الآخرين.

في أولِ الحكاية، وحين أدركتَ إيلا أن صندوق الغداء يذهب لرجلٍ آخر غير زوجها فأخبرته بذلك؛ تجاهل السيد فرناندز قولها هذا وأخبرها بملاحظته عن طِعام اليوم «عزيزتي إيلا، الطعام كان مالحًا جدًا اليوم…»، مُتشبثًا بهذه الفُرصة التي قد لا تأتيه مرةً أُخرى بالحديث إلى أحدهم؛ عن يومه الرتيب المُمِّل، وذكرياته عن زوجته الراحلة، والحياة، والفنان الذي يرسمها في لوحاتٍ كثيرة رأى نفسه في إحداها ذات مرة، عن الموز الذي تناوله ليُطفئ لهيب طعامها الحار ذات يوم، عن خطته بعد التقاعد وتسوية المعاش، الرجل أدرك أن الأشياء لم تمُت من حوله، وإنما هو من يفتقد تذوقها مع أحدهم، أو الحكي عنها بعينيه هو.

دوماً كنتُ أُؤمن بالرسائل القصيرة والخطابات المُطَوَّلة، وأنها هي السبيل الوحيد لتحرير الروح وتخفيف ثِقل ما أختزنه بها، وهو كثيرٌ جدًا بالمناسبة، أُحِبُها وطالما كانت وسيلتي الأولى في التعبير والحكي والمُناجاة، يومًا شعرت برغبةٍ كبيرة في أن أقول لصديقتي أني أُحِبُها فكتبتُ لها خِطابًا طويلًا وأنا أجاهد في تخبئته تحت نظر عينين متلصصتين تجلسانِ جواري، اعتدت كتابة الرسائل القصيرة في المحاضرات ووسط تجمع الصديقات. حتى عندما رثيت أيامي الجميلة على سلم المعامل في الكلية وحديثي مع سارة كتبتُ لها خِطابًا وشاركتها افتقادي.

حين فقدتُ رغبتي في الحكي والكلام في مُجمله ذات يوم، كنتُ أشعر في كثيرٍ من الأوقات أن الموت اختناقًا يُطاردني، كنتُ ألهث ُمن التعب لتخرج مني جُملةٌ واحدة في حديثٍ ممل عن ما يحدث أو استجابةً لرغبة أحدهم في توضيح بعض الأمور، حتى عندما كنت أتلعثم كصغير يتعلم الحديث ولكن لا تُطاوعه الأبجدية فيتخبَّط بين السكوت والكلام المُبَعثَر،كُنتُ أعود الي مهجعي خالية الوِفاض بعد كل حديثٍ فاشل، إلى أن بدأتُ في كتابة يومياتي، ورغم أنها ليست مُوجهة لأحد، ورُغم أنها لا تبدأ بعزيزي أو عزيزتي إلا أني أكتبُ لصديقٍ خيالي كما فعل تشارلي في عامه الخامس عشر، حين استهل أول خطاب لصديقه الخيالي هذا بدون أي تعريف عن ذاته، بدأ حديثه كمن اعتاد أن يفعل كل يوم مع صديقه الأقرب على الإطلاق،
هكذا أفعل.

هذا يعني أننا بحاجةٍ دائمة لأحدهم كي يسمع وسط كلماتنا لكل الهراءات التي نقولها ونحن نعاني من الوحدة والغضب والألم، لحكاياتنا الصغيرة الجميلة عن الحب والفرح ولحظات الجنون والجمال، لهوسنا الخفي الذي نُخفيه كي لا يهدمه أحدهم يومًا، لما نفتقد من الماضي والوجوه الراحلة. نحتاج لأحدهم حتى لا ننسى شعور الامتنان لشيء ما، لشخصٍ ما وسط خذلان العالم وهزائمه.

يكفي أن تستهل خطابك لأحدهم بكلمة «عزيزي/صديقي» حتى تتجرد من تحفظاتك ورغبتك في التخفي، حتى تتقهر حصونك وتسيطر عليك الرغبة في التجول معه في نفسك أو في الحياة أو فيما بينكما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد