قـبـل الـقـراءة: رواية «رسائل من تحت الأرض» بترجمة: أنيس زكي حسن، هي نفسها «في قبوي» بترجمة: سامي الدروبي، أو «مذكرات قبو» بترجمة: أحمد الويزي.

كل أعمال الإنسان تتألف في الحقيقة من شيء واحد، هو إثباته لنفسه في كل مرة أنه إنسان وليس مفتاح بيانو.

من الصعب أن يشهد عالم الأدب صفحات أكثر وحشة وكآبة من تلك الموجودة في «رسائل من تحت الأرض»، فالمحور هنا هو الإنسان بكل جوانبه المختلفة والمتناقضة المجتمعة في آن واحد، وشخصيات الرواية بكل ما فيها من جدية واضحة وسخرية لاذعة تجتمع مع الأحداث مركبةً لوحدة لا يمكن اختزالها في بُعد واحد، أو كما يُقال.. اختصارها في كلمتين، ولذلك فهذه الرواية ليست سهلة بتاتًا وغير مناسبة كبداية للقراءة لدوستويڤسكي.

تجسد الرواية روحَ المدنية المجردة التي تمزق الناس وتجردهم من شعورهم الاجتماعي، يتناول دوستويڤسكي فيها المدنية المعاصرة كوحدة لا تتجزأ صابًّا اللعنات على كل شيء متعلق بالفرد في حد ذاته، ومُهاجِمًا المَدَنية البرجوازية لصالح المدنية الاشتراكية.

قالب الرواية هو مذكرات رجلٍ يعيش حالة امتعاض دائمة، رجل مغرور، منعزل وناقم على المجتمع، راغب في الانتقام، نَهِم لتعاسته الشخصية وآلامه، يبيّن دوستويڤسكي من خلاله ضرر الولولة المنبعثة من صدر داعٍ للفردية، رجل كتب مذكراته لا لتُقرأ ويتداولها الناس، بل هي مجرد محاولة للصراحة مع النفس، ووسيلته لذلك هي مخاطبة قرّاء وهميين، فيسرد البطل آراءه وأحداث الرواية بمذهبه العقلي الخاص متلاعبًا بالألفاظ، ومتحولًا إلى إنسان مهترئ ومتذمر بشدة، والتبريرات التي يسوقها نتيجة لذلك بعيدة عن وقائع الحياة لأنه يفتقد القدرة الفعالة للشعور السليم والعاقل.

استخدم دوستويڤسكي الأسس الواقعية للنَمْذَجة الاجتماعية في تصوير الشخصيات الفنية بصورة فذة، فالأيديولوجية الواقعية للأبطال مندمجة مع تكوينهم النفسي إلى حد كبير بحيث لا يمكن فصلهما عن بعضهما بدون كسر الوحدة العضوية العارضة لنموذج الشخصية الاجتماعي.

الرواية تتكون من قسمين، القسم الأول هو صورة تجريدية بحتة عن قناعات البطل مسرودة في أحد عشر فصلًا، وهنا يبرز صراع الرواية مع العقل البشري، أو بمعنى أدق الاعتماد الكامل على العقل. أما القسم الثاني فيتناول الأحداث الفعلية المتعلقة بحياة البطل المجهول الاسم، والتي ساهمت في تكوين نفسيته وغيرت حياته وشكلت فكره الذي تناوله ڤيسكي في القسم الأول.

الإنسان بالضبط، وكيفما كان، ظلّ ولا يزال يعمل وِفق هواه ورغبته، وليس وفق ما يمليه عليه العقل والمصلحة؛ ذلك أن رغبتنا قد تتعارض مع مصلحتنا، وقد ينبغي علينا إيجابيًا في بعض الأحيان، أن نترك رغبتنا تتناقض مع مصلحتنا (وهذه فكرة من أفكاري أنا). إن في رغبتنا الحرة والخالصة، وفي نزوتنا الحرة، وحتى شديدة الهياج البالغ حدّ الجنون، إن في ذلك بالضبط تكمن تلك المصلحة شديدة الفائدة والمنفعة، التي لم يقع احتسابها، ولم تخضع لأي تصنيف، والتي تتحطم بسببها الأنساق والنظريات باستمرار. فمن أين استمدّ جميع حكمائنا فكرة كون الإنسان قد ظلّ في حاجة إلى إرادة طبيعية وفاضلة؟ إن ما يحتاج إليه الإنسان لا يعدو أن يكون شيئًا واحدًا: إرادة مستقلة، مهما كلَّف ذلك الاستقلال من ثمن، ومهما نجمت عنه من عواقب ونتائج.

من هذه الفقرة يظهر جزء كبير من منطق دوستويڤسكي الهجومي ضد محاولات تنظيم المجتمع على أسس عقلانية بحتة، فقوة الفكر والعقل ليس لها القدرة على تجاوز الأنانية والفردية المتأصلة في البشر، والعقل غالبًا ما يكون أنانيًا، والإنسان الذي يعيش مسترشدًا بعقله وفكره فقط عاجزٌ عن حب الناس لأن العقل المفتقر لشيء من المشاعر كالحب مصدره الشيطان، فهو يخلق مباهج الحضارة للقلة العليا من المجتمع بينما ينسحق الآخرون بسخرية تحت الأقدام، كما أنه ليست للعقل القدرة على كبح الشر والقوى المدمرة في بعض الأرواح البشرية.

ثم يقول دوستويڤسكي بعد ذلك: إن الإنسان بطبيعته في الأساس لا عقلاني، ولا يمكن كبح جماحه سوى بقوة علويّة فقط، وليس عن طريق عقله لأن هدف الإنسان الأسمى هو التصرف وِفق إرادته وبكل حرية، ولا شرط أن يكون ذلك التصرف عقلانيًا أو لا، فالعقل والمشاعر شيئان متضاربان عند كل الناس، وقوةٌ علوية (حتمية الوجود) هي القادرة على تغطية هذه الفجوة، ونتيجة لما سبق تأتي الاستحالة المطلقة لأي تغيير نحو الأفضل عن طريق تحسن الظروف الاجتماعية ما لم يتجه الإنسان إلى الرب. ثم يتخطى دوستويڤسكي هذه الخطوة إلى أخرى يقول فيها إن الإنسان ليست لديه أشواق أو أفعال نابعة من ذاته، بل إنه خاضع تمامًا لقوى الطبيعة، كما أن أيًا من خياراته لا يمكن أن تستند للعقل فقط لأنه في خضوع تام إما للرب أو للشيطان.

وهنا ينتهي القسم الأول ويأتي القسم الثاني صورةً لرجلٍ أناني عاجز، بين عقله ومشاعره صراع دائب، يثبت دوستويڤسكي من خلاله صحة فروضه التجريدية في الجزء الأول بأن البشر غالبًا ما يتصرفون بطريقة تتنافى مع إرادتهم الواعية ومع مصالحهم، وأنه من المحتمل أن تكون أحسنُ الظروف المواتية للاستفادة ضدَّ مصلحة المرء، وأن تقوده إلى العصيان.

قصة القسم الثاني هي جريمة أخلاقية فريدة؛ وقارئ الرواية سيفهم جيدًا هذا الوصف، فنحن هنا أمام روحٍ إنسانية توّاقة لأن تنسى موتها البطيء من خلال انتعاشها بهدف تراءى أمام عينيها.. هدف لا يُميتها بالأسلوب الرتيب الذي عودت نفسها على انتظاره، بل بأسلوب فريد وخُلقِيّ بما فيه من ألم مُبرح. لقد قتل زفيركوف ضحيته (بطل الرواية) قبل حتى أن يُتيح لها الوقت لتتفهم قدرها المشئوم.. قتلها من الداخل بإهانتها، تجاهلها، وعدم الاستجابة لها، وكذلك فإن بطل الرواية في عذاب نفسي متصاعد وممتد، وفي خياله هو يريد الانتقام، وقد قام بذلك بالفعل، ولكن في خياله فقط، أما في الواقع فقد قادته الأحداث إلى علاقة غريبة بينه وبين ليزا.. تلك الفتاة السيئة الحظ التي قابلها في ماخور. ويروي لنا نكراسوف كيف التقى الاثنان من خلال أبيات شعره:

حين أعادت حرارة كلماتي الغاضبة
الإشراقَ، لروحكِ السادرة
في ظلالها الفاجع،
رُحتِ تعصرين، توجّعًا، يديك المتشابكتين
وتلعنين الجحيم الذي احترقت فيه روحك،
واستيقظَ في ألم ممض،
ضميرُك الذي ظل هاجعًا حتى قابلتك.
وعندما تذكرتِ المِحَن التي لا تُحصى
لحياتكِ في الماضي
أخفيتِ عني لحظتها وجهَك المُعذَّب
من وقع الصدمة
وأجهشتِ بالبكاء خزيًا وأسفا
مشدوهة ومستاءة من عاركِ السابق.

ثم يبني دوستويڤسكي على شعر نكراسوف قصة البطل مع ليزا في الجزء الثاني من الرواية، ولكن في خط تطوّر مختلف عن القصيدة.. خط إنسانيّ مُبهِر بكل تفاصيله وأحداثه، بكل ما فيه من مشاعر وتجريد نفسي لشخصية البطل وليزا، وبكل الحب الذي امتلأ به.

بعد الانتهاء من الرواية لن يستطيع القارئ إلا أن يُقِر بأن دوستويڤسكي عبقري في الكتابة، وليس هذا لأنه روى واحدة من أكثر القصص قسوة في تاريخ الأدب فقط، بل لأن جوهر الأمر هنا يكمن في الكيفية التي عُرضت بها الحقيقة الكريهة والمخزية في نظر دوستويڤسكي، فالسرد الكثير والتناول التفصيلي للجريمة هنا قد يعني الإحجام عن ازدراء تلك الجريمة، واستطابتها في نذالة، وقد استخدمت الجريمة في القصة كدليل على فساد الطبيعة الإنسانية ذاتها واستحالة أن يتخطى الإنسان هذه الخطيئة المحدقة به من خلال أساليب بشرية بحتة، وهذه هي الحقيقة في نظره، والتي أظهرتها الرواية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات