لكل زمان دولة ورجال، هي الجملة التي رتبت كلماتها بحرصٍ كبير لتحافظ على وحدوية الدولة وائتلاف الرجال، لا أعرف لماذا بتنا نجهل ترتيل سطور الحب في ثنايا الماضي على شرفة الوطن، ألأن أمية السياسة نمت؟ أم لأن الحب تبخر؟ وربما الوطن مات في أذهان بعضهم.

كانت تتعبني تلك الثكنات السياسية التي لبثنا فيها طيلة خمسة أعوام عجاف، تزدحم بأطرٍ جمدت فكرًا علميًا ببلادةٍ ليكون آلةً سياسية تنتج الإعلانات وحملات إقناع الطلبة الجدد كما صيرتنا، لم يقتصر الانقسام على نياشين الوطن وأساطين السياسة، فكلنا بتنا هباء منثورًا على مسمانا السياسي قبل الوطني.

أنا أعرف أن لا شخص يستطيع أن يستقطع هذا الجزء من حياتنا اليومية، فنحن شعب تحت سنديان التحرر و مطرقة الاحتلال، إلا أني كنت دائمًا وزملائي عندما نلوب في صدد الأمور السياسية نتجاوز عقبات التحدث باسم الحزب لنظل في فلك المبدعين المفكرين فتكون المخرجات مغلّفة بأطر الحب الذي ترعرعنا في حاكورته، ولأن الحديث بالحديث يُذكر أريد أن أعرّج ولو لبضعة سطور على تجربة عاشها الكثير في صرحٍ علميٍ قاوم انتفاضتين وخرّج عشرات الشهداء وابتعث مئات الأسرى إلى سجون الظلم.

كانت البداية عندما دخلنا في صفوف الأكاديمية كطلبة هندسة، تعرفنا على حابل القوم ونابلهم، كل الأعمار بتوزيع منتظم على سلم الطبقات الاجتماعية، ولا سيما في السنة الأولى؛ حيث لم أكن أفهم معادلة الكولسة التي تكمن في صفحات الجامعة اليومية، لم أكن أدرك تلك الحدود التي تخلق تنافر حاد بين أبناء البلد الواحد الذين يجلسون في صف واحد، فأنا أفهم أيديولوجيا الحزب دون تحيّز، لكني شربت ظمأ الحال قطرةً قطرة، وتناولت هاجس البعد صفيحة صفيحة، جزمت وقتها أن الأمور أمست على هامش المجهول الذي لا يمكن أن تمسك بزمام نهايته.

نمت ثقافة التقسيم بأبعاده السياسية، والسبب الرئيسي هم أولئك االذين يمتطون مقاعد تمثيل الطلبة بكافة أحزابهم على غير تمثيل، مرت الأيام تلو الأيام حتى جالست أحد أبناء تخصصي في مقامٍ ما زلت أذكر مقوماته الجميلة، كيف أنسى وهناك كانت بداية الحب ونهاية الجهل، كنت أنا من أنصار حركة فتح، وكان هو بأحرفه الأربعة من أنصار الكتلة الإسلامية، كان حسن الهيئة وجميل الوجه، كثيف الذقن المهذب باستحياء، فقير الشعر في منطقة الرأس، وكنت أمازحه دائمًا بأن رأسه كالدول العربية غزيرة بإنتاجها لكنها سيئة التوزيع، لم يكن صدقي كأي صديق في تلك المرحلة التي بدأت تتلاشى بتفاصيلها الجامعية، كنا نتقاسم سندويشة الفلافل ونوحد الكلمة، كنا نختلف عند حساب البقالة ونتفق في حساب الوطن، لم أذكره مرةً وجرح مشاعري بشيء، وأنا كنت كذلك أحمله على كف الودّ والطيب، عندها بدأت أفكر وقلت كيف لو كان الأغلبية هنا هكذا؟

عشت أجمل سنين عمري بضمنياتها الأخوية وتألقت بتفاصيل صداقتها الجميلة، فكنا نلتقي كل يومٍ بعد نهاية دوامنا لنأخذ شيئًا من عبق الاختلاف الفكري والاتفاق الإنساني، لكن دارت الأيام واجتمعنا ثم انقسمنا مقاميًا وما زال طغيان الانقسام.

أقول لكل المحلقين فوق صفوفنا، لكل الأحياء الموجودين في ثكناتنا لا تقاتلوا من أجل الحرية يا أعزائي.
فإن تحررنا ونحن هكذا لاحتللنا بَعضنا، وهذا الوطن يحتاج شيئًا من الحب كي يتحرر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد