إن المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تَغلي على نار شديدة، في العقود الأخيرة المنصرمة، وذلك بسبب كفاح و الشعوب ونضالها ومقاومتها لحُكَّامها الظالمين لينالوا حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم.

فالشعوب العربية قد استيقَظَت من نومها فوجدت أنها حُكمَت بواسطة أنظمة حكم ديكتاتورية حَكَمَتْهَا سنين عددًا، استعملت فيها أنظمة الحكم تارةً الأجهزة الأمنية والعسكرية لسحق أي مطالب شعبية، وأي معارضة سياسية، ومن الناحية الأخرى استعملت القيم الدينية الإسلامية، أو القيم العلمانية غطاء لتمرير أجندتهم السياسية، وتحقيق مصالح سياسية وجيواستراتيجية.

هذه القبضة الأمنية من ناحية، والشعارات الدينية والعلمانية الكاذبة، جعلت الشعوب أولًا تعيش في تخدير جَرَّاء غسيل أدمغتهم بالشعارات المتاجرة بقيم الدين وقيم العلمانية من قبل حكامهم وحاشيتهم.

ثانيًا جعلت الشعوب تعيش في خوف مؤقت من الأجهزة الأمنية التي تتبع لسلطة الحاكم وحاشيته المقربة المجرمة، ولكن الشعوب ما لبثت أن استيقَظَت من نومها للمقاومة السلمية لأنظمة الحكم الدكتاتورية بعدة انتفاضات شعبية في دول معينة.

هذه الأنظمة الديكتاتورية أعطت الشعوب العربية وعودًا بالنهضة والتطور في الواقع، والنماء الاقتصادي والاجتماعي، ولكنها واقعيًّا لم تُوف بتوفير الحد الأدني من حقوق وحريات المواطنة الكريمة، وازداد الأغنياء غناءً والفقراء فقرًا، واتجه الحاكم وحاشيته لاستخدام الأجهزة الأمنية والاستخبارات لقمع مواطني شعبه واضطهادهم، ما جعل الوضع يشتعل بانتفاضات شعبية نارية في الدول العربية بواسطة الشعوب مثل «مصر، تونس، اليمن، ليبيا، السودان»، أزالت بها الشعوب رأس النظام الحاكم وحاشيته المقربة، ولكن النظام موجود.

هذا السجَالْ خَلَقَ أزمة في علاقة الحاكم مع المحكومين، وجعل الشعوب العربية تفقد الثقة في أي شخص يرشح نفسه لمنصب قيادي في نظام الحكم العام؛ بسبب تجارب الشعوب التاريخية مع الأنظمة الديكتاتورية التي حكمتهم.

هذا يجعل من الأهمية بمكان أن يسأل كل شخص «رجل أو مرأة» لديه نيه الترشح لأي منصب قيادي أو دخول عالم السياسة والحكم، عليه أن يسأل نفسه بعض الأسئلة النقدية المهمة قبل ترشيح نفسه أو قبول تعيينه لأي منصب قيادي حكومي في «المجلس التشريعي البرلمان، تنفيذي لمجلس الوزراء، رئاسي، مجالس محلية في الولايات، منصب دبلوماسي» أو منصب قيادي في مؤسسات الخدمة المدنية:

1. ما الباعث أو الدافع الحقيقي الذي يَدْفَعُكَ لترشيح نفسك لأي منصب قيادي في مؤسسات أنظمة الحكم في دولتك؟ أو ما الدافع الذي يدفعك لقبول تعيينك في أي منصب قيادي في مؤسسات الحكم في دولتك؟

2. ما هدفك الحقيقي من الحصول على سلطة المنصب والنفوذ؟

3. كيف تتأكد من أن الشعارات والقيم والوعود التي تَتَشَدَّق بها الآن سَتُوفي بها لمن وعدتهم بمجرد حصولك على سلطة المنصب والنفوذ؟

4. ما المعايير التي ستختار بها المقربين منك؛ أي أولئك الذين ستكلفهم بإدارة الشؤون العامة المجتمعية، عندما تحصل على المنصب «المقربين منك= الحاشية»؟ مثل مستشارين ومساعدين… إلخ.

الرسائل

رسالة إلى الطَّامحينَ للمناصب القيادية في أنظمة الحُّكم في العالم العربي والإسلامي.

رسالتنا إلى حُكَّامْ المستقبل، وكل الأشخاص الذين ينوون ترشيح أنفسهم في أي منصب قيادي رئاسي، أو تشريعي، أو تنفيذي، أو قضائي، أو نقابي إداري أو خدمي مدني:

1. عليكم ألا تكرروا أخطاء وكوارث الحكام والقياديين الديكتاتوريين السابقين البائدين، بعدم إعادة استنساخ سياساتهم، وفلسفتهم، ورؤيتهم، وأهدافهم، وأجهزة أمنهم، التي كانت حريصة على السلطة والحكم، وكانوا غير مبالين بمعاناة الشعب اقتصاديًّا، ومعرفيًّا، وصحيًّا، وفكريًّا، ومعيشيًّا. عليكم تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، أو تقديم الاستقالة فورًا عند إحساسك بالعجز.

2. الحذر والانتباه من السعي إلى السلطة والمنصب دون أن تراقب هوى النفس الذي يمكن أن يجعلك تستخدم السلطة لنفسك فالكثير من الأنظمة البائدة السياسية كانت حريصة على السلطة ومتغافلة عن معاناة الشعب والمواطنيين. لأن الهوى عندما يلتقي مع السلطة، يكون الإنسان هنا مثل الحصان يجري وعيناه مغطاة لا يرى شيئًا سوى نفسه، وعندما يتوقف ويخلع هذا الهوى لبرهة يجد دمارًا شاملًا أحدثه بيديه على شعبه.

3. الحذر والانتباه من حاشية السلطة وزبانيتها التي ستختارها بعد أن تحصل على أي منصب قيادي «حراسك الشخصيين، مساعدين، مستشارين، مديري المكتب، معاونين، نواب، أهل الأجهزة الأمنية وغيرهم»، احذر من تطبيلهم المعنوي لك «مديحهم، وثناءهم، ومداهنتهم، ومجاملتهم»، واحذر من تقديمهم آراء وأفكارًا تتطابق معك دائمًا؛ لأنَّ هذا مؤشر إلى أنهم يخادعونك بظاهر من الغيب، واحذر من تضخيمهم لقوتك الحقيقية في الواقع، واحذر من أن تتخذهم مصدرًا لمعرفة الواقع الحقيقي لحياة المواطنين اليومية «الاقتصادية، والصحية، والفكرية، والاجتماعية، والنفسية، وغيرها»، بل عليك إجراء زيارات بنفسك للتعرف على الواقع الحقيقي لحياة المواطنين أو الناس الذين ترأسهم.

رسالة إلى الأفراد المواطنين

1. احذروا من الدخول في أي تحالفات، أو عضويات، أو انتسابات، في أي كيانات أو تكتلات أو أحزاب سياسية، أو مؤسسات تتغلف وراء تقديم خدمات إنسانية أو تطوعية، أو تتبني قضايا وطنية مثل العدالة الاجتماعية وغيرها، ثم ترشحك أنت وتدفع بك إلى الواجهة للعمل الميداني وإلقاء الخطابات، وتختفي هي وراء الكواليس. وبعد مدة تكتشف أن هدفها الحقيقي سياسي حزبي «لتجنيدك أو لاستعمالك وسيلة لتحقيق هدف مرحلي محدد حالي» أو هدف أمني لجمع معلومات عنك.

2. احذروا من الولاء المطلق والاتباع التقليدي أو التقديس لأي مؤسسة أو حزب سياسي، أو مذهب ديني، أو قبيلة، أو تقاليد وعادات جماعية موروثة من مجتمعك، أو ولاء أسري مطلق. فالولاء يكون أولًا إمَّا للذي يتبع القيم والقوانين أو تكون للقيم والقوانين مباشرة، ولا يكون الولاء للأفراد والمؤسسات والكيانات في ذاتهم أبدًا. لا تفتح الباب أمام أي سذاجة فكرية بلهاء، أو عاطفة عمياء غبية، أو مطبلين كاذبين يمدحونك بكل أنواع الكلام المعسول الكاذب. لا تجاملوا أي أحد سواء كان ذا قربي، صديقًا، زميلًا، أخًا في المواطنة، أخًا الإنسانية، أخًا في الدين. فالسيادة، والعُّلُو، والتّقديس، والاتّبَاع والولاء تكون للقيم والقوانين الأخلاقية والإنسانية، وليس للأشخاص والرموز والشخصيات في ذاتهم، وإلا ستكونون من حاشية السلطة وزبانيتها. والله يقول «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» التغابن (14).

الحيطة والحذر والانتباه هم رداء المخلصين أولي الألباب، أما الغفلة، والسذاجة، والخوض مع الخائضين هم رداء الأغبياء الخاسرين.

كُنْ حذرًا منتبهًا من هوى النفس وحاشية السلطة، تكون أنت القائد لنفسك. كن غافلًا ساذجًا غبيًّا تتبع رأي الآخرين ورأي الأغلبية وَتُصَدق كُلَّ شيء، تكن فردًا في قطيع غنم وتكون عبدًا للوهم.

والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد