«إنسانيتي مرتبطة بصورة لا انفصام لها، مرتبطة بإنسانيتكم أنتم؛ ننتمي إلى مجموعة من الحياة».

ديزموند توتو عن مفهوم أبونتو، تلك الفلسفة عن الإنسانية في سياق عملية مصادقة ومصالحة، إذا كانت هذه البلاد ستحقق وعد الحرية والعدالة للجميع، فإننا نحتاج لإعلاء صوت الذين لا صوت لهم، يجب علينا الارتقاء بحلولهم وأفكارهم. يجب علينا الاستماع لقصصهم الحقيقية، قصصهم المعقدة بطريقة جميلة.

رسائــــل من الأســـــــر

وجب المرور بكتابات السجون، لأن معظمنا أسرى سجون تختلف شكلًا عن السجون الاعتيادية. لذا، أي شعور بالخطر عند قراءة أدب السجون، عند إدراك مدى تشابه القيود جوهرًا، وإن اختلفت شكلًا، هو شعور شرعيّ.

لا يوجد مُخبِر عن تجربة أفضل من الذي عاشها وليد أبو دقة، تعد تجربته ترجمةً للصورة التي يجب أن تُرى لكل أسير مثقف.

مقتطفات من رسائل وليد أبي دقة.. أسير منذ عام 1986 إلى اليوم:

من يوقف الزمان فهذا دمي الذي ينزف لا الدقائق، وتلك روح رفاقي التي تحلق لا عقارب الساعة.

قيل «لا يقطع النهر مرتين» واللحظة لا تتكرر، والزمان ينساب في علب المكان، والمكان يتآكل فلا تتشابه الأيام والسنون.

لكن نهر السجون، يقطع آلاف المرات ويقطعنا بزمانه ومكانه كسكين مثلوم.

علب السجون، مستنقع للزمان آسنة، فحين يصبح للزمان مستنقع يغدو له رائحة الموت، وللموت رائحة الموت ولا شيء غير ذلك.

إن الكف عن الشعور بالصدمة والذهول، إن الكف عن الشعور بأحزان الناس. أي ناس، وإن تبلد المشاعر أمام مشاهد الفظائع.. أي فظائع، كان بالنسبة لي هاجسًا يوميًّا، ومقياسي لمدى صمودي وصلابتي. إنّ الإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة، جوهر الإنسان العقلي هو الإرادة، وجوهره الجسدي هو العمل، وجوهره الروحي هو الإحساس، والإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة البشرية.

وهذا الجوهر بالذات هو المستهدف في حياة السجين على مدار الساعات والأيام والسنين، أنت لست مستهدفًا ككائن سياسي بالدرجة الأولى، وأنت لست مستهدفًا ككائن ديني أو كائن استهلاكي تمنع عنه ملذات الحياة المادية. قد تتبنى أي قناعة سياسية تريد، ويمكنك أن تمارس شعائرك الدينية، وقد يتوفر لك الكثير من الاحتياجات الاستهلاكية، لكن يبقى المستهدف بالدرجة الأولى الكائن الاجتماعي والإنسان فيك.

المستهدف هو أي علاقة خارج الذات، أي علاقة يمكن أن تقيمها مع البشر والطبيعة بما فيها حتى علاقتك بالسجان كإنسان. إنهم يفعلون كل شيء ليدفعونا كي نكرههم، المستهدف هو الحب وذوقك الجمالي والإنساني.

إن مسيرة النضال هي ذاتها مسيرة المعرفة، فهي مسيرة باردة يعتريها الشعور بالوحدة والخوف من المجهول. في حالة السجن كما في حالة الحصار، قمة النضال هو أن تبقى قادرًا على السؤال، وأن تكون مستعدًا حتى للنوم في فراش أسرك.

أعترف الآن وفي عامي العشرين من الأسر بأني ما زلت لا أحسن الكراهية، ولا الخشونة والفجاجة التي قد تفرضها حياة السجن. أعترف بأني ما زلت إنسانًا ممسكًا على حبه قابضًا عليه كما لو كان الجمر، وسأبقى صامدًا بهذا الحب، سأبقى أحبكم، فالحب هو نصري المتواضع والوحيد على سجاني.

 تجربة سجن ستانفورد لفهم الصراعات في نظام السجن

قامت البحرية الأمريكية بتمويل هذه الدراسة بهدف فهم الصراعات في نظام السجن لديها. تم الإعلان عن التجربة في الجرائد؛ للحصول على مشاركين مقابل 15 دولارًا لليوم، جاء غالبية المشاركين من البيض، الذكور، ومن الطبقة الوسطى، وكان جميعهم طلاب في المرحلة الجامعية.

ولمحاكاة الحياة داخل السجن، قسمت المجموعة عشوائيًّا إلى مجموعتين متساويتين من مساجين وحراس.

«يمكنكم أن تولدوا إحساسًا بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعًا نسيطر على حياتهم، لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات، سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق. بالنتيجة سيقود كل هذا إلى شعور إلى فقدان السيطرة من طرفهم، وبهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة».

هذا ما قاله فيليب زيمباردو -قائد فريق البحث- للحراس قبل البدء بالتجربة، ولكن سرعان ما خرج الاختبار عن السيطرة. إذ عانى السجناء واحتملوا ممارسات سادية لا تحتمل على أيدي هؤلاء الحراس.

الآن.. ماذا عنا نحن؟! ليس بوسعنا انتظار شخصٍ آخر ليقوم بتصحيح كل شيء، نحن لا نحتاج أشياءً عظيمة تمكننا من صنع التغيير، نحن نحتاج أن ندرك عظمة ما هو ساكنٌ فينا، وأهمية ما هو محيطٌ بنا قبل أن نسعى لشيء جديد، دعونا نتذكر ما نحن قادرون على فعله؛ كل الذي بنيناه بالدم والأحلام؛ كل عجلةٍ ما تزال تدور، ليس لدينا الكثير من الثروة والسلطة، لكن كمجموعة، لا يمكن إيقافنا. نقضي الكثير من وقتنا وطاقتنا لتنظيم قوتنا للمطالبة بالتغيير من نظم لم توضع من أجلنا، بدلًا من محاولة تعديل الطرق التي لدينا، دعونا نستخدم بعضًا من قوتنا الجماعية لإيجاد الحياة وإحضارها إلينا، طرقًا جديدةً يمكننا تطبيقها.

إن مسيرة النضال هي ذاتها مسيرة المعرفة بالانتهاكات الإنسانية، ولعل المقاومة هي انتصاراتنا الصغيرة للحفاظ على حقنا «الشعوري» بالحياة، فلن يعد شيئًا مخيفًا إن صرناه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رسائل
عرض التعليقات
تحميل المزيد