مصادم الهادرونات الكبير (LHC) هو أكبر وأقوى مسرع جسيمات في العالم. استخدم لأول مرة في 10 سبتمبر (أيلول) 2008، ولا يزال يعد أحدث إضافة إلى مجمع مسرعات CERN. يتكون هذا المصادم (LHC) من حلقة طولها 27 كيلومتر مكونة من مغانط فائقة التوصيل مع عدد من الهياكل المتسارعة لتعزيز طاقة الجزيئات على طول الطريق.

داخل المسرع، تنتقل حزمتان من الجسيمات العالية الطاقة والتي تقرب سرعتهما سرعة الضوء قبل أن تصطدما. تسير الحزمتان في اتجاهين متعاكسين داخل أنبوبين بشعاعين منفصلين -أنبوبين يتم الاحتفاظ بهما في الفراغ الفائق-. يتم إرشاد هاته الجسيمات حول حلقة التسريع عن طريق حقل مغناطيسي قوي تحتفظ به المغانط الكهربائية فائقة التوصيل. يتم بناء هاته المغانط الكهربائية عن طريق تلفيف كابلات كهربائية خاصة تعمل في حالة فائقة التوصيل وبكفاءة عالية بدون مقاومة أو فقدان للطاقة. ويتطلب ذلك تبريد المغانط إلى حوالي ‑271.3 درجة مئوية – أي درجة حرارة أكثر برودة من الفضاء الخارجي. ولهذا السبب، فإن الكثير من المسرعات متصلة بنظام توزيع الهيليوم السائل، والذي يقوم بتبريد المغانط، بالإضافة إلى خدمات التبريد الأخرى.

 يتم وضع جميع عناصر التحكم الخاصة بالمسرعات وخدماتها وبنيتيها التحتية والتقنية تحت سقف واحد في مركز التحكم بـCERN. من هنا، تصنع الحزم داخل مصادم (LHC ) في أربعة مواقع حول حلقة التسريع، المقابلة لمواضع أربع كاشفات للجسيمات  ATLAS وCMS وALICE وLHCb.

ومن خلال ذلك، يمكننا رصد الجسيمات الصغيرة الناتجة عن كل تصادم.

في أوائل السبعينات من القرن العشرين، كشفت الدراسات الرياضية لنظرية الأوتار عن خطوة مدهشة نحو حلم آينشتاين الذي لم يتحقق بعد في نظرية موحدة –نظرية واحدة تضم جميع القوى وكل المادة- . إن التناظر الفائق، معقد رياضيًا ولكن له تأثير مادي على الأهمية المركزية لمصادم الهادرونات الكبير.

لكل فصيلة معروفة من الجسيمات (إلكترونات، كواركات، نيوترينوهات، إلخ)، يرمي التناظر الفائق لوجود أنواع شريكة لهاته الجسيمات، ويطلق عليها الفيزيائيون الأس جسيمات (أس إلكترونات، أس كواركات، أس نيوترينوهات، إلخ) ولكنها لم تلاحظ إلى حد الآن.

يعتقد الفيزيائيون أن سبب عدم ملاحظة هذه «الجسيمات» راجع إلى أنها أكبر بكثير من نظيراتها المعروفة، مما يتطلب تصادمات أكثر قوة لإنتاجها الغزير. كما أن هناك العديد من الحسابات التي تشير إلى أن المصادم ستكون لديه هذه القوة مستقبلا.

قد يكون اكتشاف الأس جسيمات إنجازًا ضخمًا، يأخذنا إلى أبعد من أينشتاين من خلال إنشاء رابط عميق بين قوى الطبيعة وجسيمات المادة. كما أن هذا الاكتشاف له القدرة على تعزيز فهمنا للمادة المظلمة –وهي المادة الوفيرة التي تتخلل الفضاء ولكنها لا تعطي الضوء-، ومن ثم لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال تأثير الجاذبية عليها. يشك العديد من الباحثين في أن المادة المظلمة تتكون من الأس جسيمات.

الفكرة المحيرة التي اعتبرت منذ بداية القرن الماضي هي أن الكون قد يكون له أكثر من الأبعاد المكانية الثلاثة.

لسنوات عديدة كان أينشتاين مؤيدًا قويًا لهذه الفكرة. وقد أظهر بالفعل أن الجاذبية لا تمثل سوى الاعوجاج في الأبعاد المألوفة للفضاء والوقت. افترضت الفكرة الجديدة أن قوى الطبيعة الأخرى (على سبيل المثال، القوة الكهرومغناطيسية) تصل إلى تشكيل انثناءات في أبعاد مكانية إضافية، غير معروفة حتى الآن. أدت الصعوبات في تطبيق الفكرة رياضيًا إلى فقدان أينشتاين الفائدة في نهاية المطاف. لكن بعد عقود من الزمان، أحيت نظرية الأوتار هذه الفكرة، فرياضيات نظرية الأوتار لا تتطلب أبعادًا إضافية فحسب، بل أظهرت كيف تحل القضايا التي أذهلت أينشتاين.

والآن، بشكل ملحوظ، هناك فرصة –وإن كانت صغيرة– تشير الى أن مصادم (LHC) قادر على إيجاد دليل على الأبعاد الإضافية. حيث تشير الحسابات إلى أن بعض الجسيمات الناتجة عن تصادم البروتونات قد يتم إخراجها من أبعادنا المألوفة وتكدس في أبعاد أخرى، وهي عملية نكتشفها بفقدان واضح للطاقة التي تنتج بعد التصادم.

 وهنا نرى الدور الفعال لمشروع بلغت تكلفته حوالي 8 مليارات دولار في الإجابة على أسئلة شكلت ألغازًا لأعظم الفيزيائيين.

لكن بالرغم من ذلك تراودت بعض أخطار المصادم عند الفيزيائيين كتشكل ثقوب سوداء صغيرة والتي أثبت ستيفن هوكينج أنها تتفكك في جزء صغير من الثانية، وهو وقت كافٍ للفيزيائيين لجني فوائد إنتاجها، وقصير بما فيه الكفاية لتجنب إراقة أي فوضى.

التأكيد على فكرة هو دائما شيء مرضي. لكن العثور على ما لا تتوقعه يفتح آفاقا جديدة على طبيعة الواقع. وهذا ما يعيشه البشر، وهنا نستحضر ريتشارد فاينمان حين شبه طبيعة الواقع بالبصلة اللا نهائية التي ما إن تنتهي من تقشير طبقة منها حتى تجد طبقة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد