تُصنَّف الكتابة التاريخية لدى البعض ضمن خانة الكتابات الهادفة التي تحمل ما وراء سطورها غايات تطغى على البحث التاريخي، تهدف إلى قول أشياء وحذف أخرى أو تجاوزها، الأمر الذي يظل متأرجح القبول والرفض بين عموم الباحثين في هذا المجال. ومعلوم أنه يوم كان التاريخ في حوزة فئة مجتمعية معينة، أُرخ له وفق غاية هذه الأخيرة التي عملت جاهدة من خلال مجموعة من المؤلفات في مقدمتها ذات الصبغة الدينية والتاريخية… الحفاظ على مصالحها داخل المجتمع اقتصاديًا وسياسيًا. وقد وجهت أصابع اتهام ظاهرة الكتابة التاريخية الاسترزاقية زمن الفترة الوسيطية خاصة، صوب كتابات غالبيتها ألفت من قبل رجال الدين والمقربين من البلاطات.

لطالما احتوى منطق (الاسترزاق) المادي أو المنصبي لغة غالبية كتاب ومؤرخي هذه الفترة خصوصًا بالضفة الشمالية للحوض المتوسط، الأمر الذي سيدفع مجموعة من الغيورين على واقع الكتابة التاريخية بالقارة الأوروبية، على افتعال مجموعة من الحواجز بغرض جعل التاريخ والكتابة التاريخية في منأى عن هؤلاء، وهو ما سيتم معه القطع ولو جزئيًا مع هذه الظاهرة خلال القرن التاسع عشر.

وقد ساهمت هذه الأزمة التأريخية (إن صح القول) نهاية القرن التاسع عشر في انبثاق المدرسة الوضعانية[1] بأوروبا سنة 1870م، التي حملت إلى جانب مجموعة من القضايا التاريخية، راية الدفاع عن التاريخ والكتابة التاريخية من خلال شروط قدمتها المدرسة كضروريات يتوجب أن تتميز بها شخصية المؤرخ[2] عن غيرها. فكان من أهم هذه الشروط مثلًا:

أن يكون المؤرخ متمكنًا من الباليوغرافيا[3] وملمًّا باللغة اللاتينية… كما جعلت المدرسة الوضعانية من الوثيقة المكتوبة شرطًا أساسيًا لمهنة المؤرخ.

لعل هذه الرغبة في تحصين الحقل التاريخي من قبل رواد المدرسة الوضعانية، كانت كفيلة باختصار أشواط طويلة من الصراع التطهيري للكتابة التاريخية. ليليها فيما بعد ظهور مسلسل من الكتابات والمؤلفات التي سارت على نفس الشاكلة[4]، بل سيعرف مسار الكتابة التاريخية ميلاد مدرسة الحوليات[5] التاريخية كثاني مدرسة ستساهم من جهتها في إضفاء الجديد على هذه الكتابة، حيث ستعمل على تجاوز شرط الوثيقة المكتوبة الذي رأت فيه كشرط وضعاني تقزيمًا للبحث التاريخي، وستفتح علم التاريخ على مجموعة من العلوم الأخرى في رغبة منها غايتها تطوير وتقنين الحقل التاريخي وجعل البحث التاريخي أكثر اتساعًا من ذي قبل.

لقد اعتبر القرن التاسع عشر أولى هذه المحطات التحديثية في الكتابة التاريخية بأوروبا، من خلال شروط ومؤلفات حاولت جلها أن تجعل من الحدث التاريخي بكل تجلياته أكثر موضوعية وأكثر واقعية. لكن وعلى الرغم من كل هذه المحاولات التي آتت أكلها إلى حد ما في قضية تصفية الكتابة التاريخية الاسترزاقية، إلا أن هذه الأخيرة ستظل قابلة التأثر بعوامل وجدانية انتمائية، هذه المرة همها الانتصار للطرح الأيديولوجي، وذلك من خلال اعتماد المؤرخ في عملية تأريخه على تحليلات وتأويلات انصهرت بشكل مباشر وغير مباشر، كقراءات وفق ما هي عليه قناعات ومرجعيات هذا المؤرخ. وبطبيعة الحال فالذاتية خلال هذه المرحلة ستكون لأسباب معرفية، أطرتها مرجعيات تاريخية في شكل نظريات، الأمر الذي وجدناه غائبًا من قبل عند نظيرتها الاسترزاقية. وهو الأمر الذي لربما يُرفض الاعتراف به لما هو معروف عن جدل الذاتية والموضوعية.

لكن ألا يمكننا أمام متلازمة الذاتية التاريخية وفي نظرة استثنائية وبلغة متصالحة مع ذاتها نوعًا ما، من أن نتحدث عن نجاح الكتابة التاريخية التي تحضر فيها هذه العلة (الحميدة)، وتسير منطقها بشكل معقول يفضي إلى حقائق نسبية وفق قوانين المرجعية المستند إليها؟ ألا يمكن اعتبار التفاعل مع الكتابة التاريخية بمنطق أيديولوجي أحد أهم المحفزات في الكتابة التاريخية بشكل استثنائي؟ هل فعلًا يمكن الحديث عن كتابة تاريخية بدون عوامل ذاتية؟ هي مجرد استفهامات تدفعنا إلى فتح نقاش حول موضوع الكتابة التاريخية وحتمية الأيديولوجي.

بعيدًا عن كل ما يمكنه أن يدفعنا إلى القول من أن الكتابة التاريخية بمنطق أيديولوجي، تعمي صاحبها وتدفعه إلى التزييف وإخفاء الحقيقة بطريقة أو بأخرى، ينتصر معها لانتمائه الأيديولوجي. نعم بتجاوزنا لهذه النظرة التقليدية. سنحاول في هذه الأسطر المعدودة قراءة الكتابة التاريخية بين طرحي الموضوعية والذاتية من زوايا تخالف ما ابتذل من القول في هذا الشأن.

وعليه، وفي خطوة تفكيكية يمكننا تعريف الموضوعية التاريخية باعتبارها الشق الأول من طرحنا المقدم، من أنها تلك الكتابات التي تقبل وتشترك فيها جميع القراءات المختلفة التوجه فتتوحد فيها الرؤية من منظار واحد، والمقصود هنا الوصول إلى الحقيقة التاريخية دون تدخل للعوامل الشخصية. ويتجلى هذا الفعل باستبعاد المؤرخ للعوامل الذاتية استبعادًا تامًا، الشأن الذي يعتبر من وجهة نظر مجموعة من الباحثين صعب المنال. حيث إن الموضوعية داخل الطرح التاريخي تصطدم بحاجزين يؤثران بشكل صريح فيها ككتابة، وهما سيكولوجية المؤرخ وملابسات الواقعة التاريخية، فبتفاعل هذين العنصرين تصبح الكتابة التاريخية أسيرة الوقوع في ملابسات الحتمية الأيديولوجية.

أما مستويات دراسة مفهوم الموضوعية في العلوم الإنسانية، فتنقسم كما ذهب إلى ذلك الباحث «صلاح قنصوه» إلى قسمين وهما: المستوى الأنطولوجي والذي يكون شديد الارتباط بظاهر المعرفة المناقشة داخل ثنايا البحث والواضح لدى المتصفح القارئ، والمستوى الميتودولوجي والذي يرتبط بالمنحى المنهجي الذي سار عليه صاحب البحث في خطواته التحليلية. فبينما يقدم المستوى الأول إجابات حول تساؤل ماذا ندرس يقدم الثاني فكرة حول كيفية ما ندرس[6].

لكن عند الحديث عن مسألة الموضوعية وحضورها داخل الكتابة التاريخية، فإن هذه النقطة تظل نسبية وغاية في الصعوبة، فما يكتب يخضع لغايات وجدانية نفسية وإن أريد لها الإخفاء تحت مسميات الحياد أو الإنصاف، فهي تظهر جلية عند تتبع الخطوات المنهجية في التحليل أولًا وفي الطرح المقدم كما سلف الذكر.

في مقابل الموضوعية تواجهنا قضية الذاتية في الكتابة التاريخية باعتبارها الشق الثاني من طرحنا المقدم، وحقيقة كونها علة معرفية منبوذة من قبل مجموعة من القراء والمؤلفين، وغير محمودة داخل الحقل التاريخي إذا ما أعلن عنها بشكل مباشر، وأن الكل يجمع رفض وجودها داخل ثنايا البحوث تحت ذريعة البحث عن (الحقيقة التاريخية) الصرفة.

والذاتية كمفهوم فضفاض يمكن حصرها في تلك الخاصية التي تطبع الكتابة عامة والتاريخية على وجه الخصوص بغرض الانتصار لجهة معينة عرقية أو حزبية أو دينية. ونظرًا لقوة ومكانة الكتابة التاريخية خلال الفترات السابقة القديمة والوسيطية، كان حضورها ضمن سيرورة الأحداث الماضية فعلًا لا مناص منه، وذلك بهدف الانتصار للشخصيات وللملاحم وكذا تخليدها كتابيًا.

فإذا كانت الموضوعية هي ذلك الانسلاخ التام عن كل ما له علاقة بالأحاسيس والانفعالات في الكتابة التاريخية، فإن الذاتية عكس الموضوعية فهي عدم التزام الحياد بل الانغماس بشكل واضح ومعلن في النزعات العرقية والدينية والانتماءات الأيديولوجية. وهذه العلة ليست وليدة اللحظة بل هي قديمة قدم التاريخ، حيث استولت كحتمية وجدانية على كتابات مجموعة من المؤرخين والكتاب منذ الفترات القديمة ولا يزال وقعها قائمًا حتى يومنا هذا. فقد وجدنا كبار المؤرخين القدامى يؤرخون بذاتية نستطيع معها الكشف عن قناعاتهم وتوجهاتهم، وهو ما أوضحه محمود الحويري نقلًا عن المؤرخ إرنست كاسيرر بقوله: إن «ثيوكيديدس» إثني الاتجاه و«تاكيتوس» أرستقراطي النزعة.[7] أي بمعنى أن لكل واحد من هؤلاء الأعلام نزعاته الانتمائية، ما يؤكد لنا ملازمة الذاتية للكتابة التاريخية ولحقل المعرفة التاريخية بشكل مباشر وغير مباشر منذ مراحل سابقة.

وبقدر ما كانت الذاتية تسيطر وتمنطق كتابات المراحل السابقة، بقدر ما أضحى النظر إليها اليوم كعلة منبوذة خصوصًا مع توالي استنكار الكتابات التي انزلقت ذاتية أصحابها إلى حد التطرف؛ وهو الشأن الذي جعل الكل يتجنب وينكر الوقوع فيها وإن وقع. وعليه لقد جعل ذم هذه الخاصية البعض ينظر إليها على أنها استحالة قول الحقيقة والافتراء عليها، بل لطالما كانت في تصور البعض من أنها كمفهوم مصدر للخداع والمكر والزيف[8].

لكن، ألا يمكننا اعتبار الذاتية والكشف من خلالها عن الهوية الانتمائية في الكتابة التاريخية، من الأمور التي لن تفسد للموضوع المناقش ودًا وأنه لن يضر الإعلان عنها في شيء، خصوصًا إذا ما عبر عنها المؤرخ برحمة معرفية غايتها الوصول إلى الحقيقة التاريخية وفق رؤاه الأيديولوجية، التي يقدمها كقراءات تحليلية علمية على أنها تجانب الصواب، وبموجبها يتم الوصول إلى فك مجموعة من الإشكاليات وحل بعض القضايا التاريخية بقناعات أيديولوجية.

ألا يصح القول إن توظيف الذاتية كمهيج في الكتابة التاريخية ينتج عطاءات أكبر وتأليفات أعمق، وأن كل الكتابات التي لاقت تجاوبًا جماهيريًا، قد وجدنا وراءها مؤرخين وكتابًا حملهم همهم الأيديولوجيا إلى تأليف طروحات لولا أيديولوجيتها ما وصلت لما بلغته من درجات معرفية، وبموجبها تقدمت كتاباتهم كمشروعات فكرية طلائعية ما زال صداها حيًا إلى يومنا هذا، سواء داخل الحقل التاريخي أو حقل العلوم الإنسانية بصفة عامة.

وهو الشأن الذي تؤكده لنا بعض القراءات التي رأت ولو على قلتها، أن حضور منطق النزعة الانتمائية في الكتابة التاريخية من السنن المستحبة. كونها كقناعات شخصية تحرك وتحمس اندفاع الباحث في العطاء والإنتاج المعرفي، فتفرض عليه تقديم أعمال استثنائية. الأمر الذي أكده المؤرخ إرنست كاسيرر حيث أجاب في هذه النازلة قولًا: «إن الأحداث والشخصيات التاريخية في العديد من الأحيان يستحيل فهمها بغير تعاطف وثيق وبلا حب أو كره»[9] أي بمعنى أن نجاح قراءة بعض الأحداث ومحاورة بعض الشخصيات التاريخية، قد لا يستقيم لها التأريخ بدون التموقف الإيجابي أو السلبي منها.

إن قضية المرجعية الفكرية والكتابة الذاتية لمسألة محمودة، هذا إن لم نقل إن قوتها ضرورية في الكتابة التاريخية، وذلك باعتبارها أحد أهم المحفزات والمهيجات في قوة البحث التاريخي وإحدى وسائله الفكرية. وحضورها ضمن هذه الكتابة لا عيب فيه إذا ما احترم الضوابط المنهجية المعتدة والمتفق عليها بين عامة الكتاب والمؤرخين ففي الحقل التاريخي على وجه الخصوص؛ لكن العيب الملام هنا هو حينما تتحول هذه الذاتية إلى تعصب يطفئ بصيرة المعرفة، فتصبح بذلك عبارة عن كتابة تاريخية يكتنفها التطرف ودوغمائية الطرح المقدم، الشيء الذي يفقدها قيمتها وهويتها، ويتحول معها التاريخ – إن لم نقل يموت أمام هذا التطرف – إلى تعصب وتمجيد لفئة معينة وإلى نزعة موجهة. والطامة المعرفية هو حينما تغيب الحجج وينتصر الانتماء أمام الحقائق المضادة، هنا نقف أمام مرحلة أخرى من الكتابة الذاتية فتطرح أزمة «الذاتية المتطرفة» كأقصى حد من سيرورة الذاتية. إن حتمية الأيديولوجية شئنا أم أبينا كانت وما زالت تمنطق الأحداث التاريخية وتحلل سيروراتها بأشكال مختلفة تصيب في بعضها كما تخطئ في بعضها الآخر.

البيبليوغرافيا


[1] وجيه كوتراني، تاريخ التأريخ، اتجاهات، مدارس، مناهج، الناشر المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الطبعة الثانية، 2013، بيروت، ص 166.

[2] فرنسوا دوس، التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة، محمد الطاهر المنصوري، الناشر المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى1، 2009، ص 69.

[3] الباليوغرافيا: هو علم دراسة الخطوط القديمة ومحاولة فك رموز وقراءة المخطوطات القديمة.

[4] العروي عبد الله، مفهوم التاريخ الألفاظ والمذاهب، الناشر المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة 2005، ص233.

[5] إشراف جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2007، ص84.

[6] قنصوه صلاح، الموضوعية في العلوم الإنسانية: عرض نقدي لمناهج البحث، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2007، ص70.

[7] الحويري محمود، منهج البحث في التاريخ، الناشر المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2001، ص227.

[8] نفسه، ص 215.

[9] نفسه، ص 230

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد