النظرية الليبرالية

النظرية الليبرالية هي النظرية التي تحاول تفسير التفاعلات السياسية في النظام الدولي من خلال الاعتماد على مجموعة من الفرضيات المتعلقة بالاعتماد المتبادل، والمنافع المبتغاة من التجارة الحرة، والأمن الجماعي، والتواجد الحقيقي للمصالح المنسجمة بين الدول، هذا وعلى عكس الواقعيين، ينطلق الليبراليون من نظرة متفائلة للنظام الدولي، بحيث يرتكزون على مفهوم التعاون لا الصراع كأساس للسلوك الدولي، بمعنى أن الليبراليين يلجأون للأدوات الدبلوماسية في العلاقة بين الدول وحل النزاعات، على عكس الواقعيين الذي يفضلون الحرب كأداة رئيسة في حل النزعات، كما تقدم الليبرالية مجموعة من الادعاءات المعيارية أو الأخلاقية حول أهمية الحريات والحقوق الفردية، وذلك بمعنى أن السياسية الخارجية للدول تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ، وليس فقط على المصلحة المجردة.

أما الافتراضات الرئيسة للنظرية الليبرالية هي أن للدولة دورًا مركزيًا، ولكن ليس وحيدًا في النظام الدولي، حيث إن هناك مجموعة من اللاعبين من غير الدولة يساهمون في التفاعلات السياسية الدولية، كما يعترف الليبراليون بفوضوية النظام الدولي وغياب السلطة المركزية، ولكن على عكس الواقعيين، فإن هذه الفوضوية تقود للتعاون وليس للصراع؛ وذلك لأن الليبراليين لا يقصرون اهتمامهم بالأمن القومي المبني على التهديد العسكري، فمجالات التهديد عندهم تتسع لتشمل ظواهر كالاحتباس الحراري والأمراض عابرة الحدود وغيرها؛ الأمر الذي يتطلب تعاون الجميع للتصدي لها.

لهذا فإن المصلحة القومية للدول غير مرتبطة فقط بالأمن القومي، بل بتحقيق الشركات الاقتصادية والتجارية، وبناء بيئة آمنة وجذابة للاستثمار، بحيث تسعى الدول لتعظيم قوتها النسبية لا المطلقة، وذلك لأنها تؤمن بالتعاون الدولي، كما أن السعي للقوة المطلقة من شأنه أن يضعف عنصر الثقة الذي يعتبر مهما في التعاون وبناء الشراكات، فالدولة ليست كيان وحدوي فقط، بل منظومة واسعة في اتخاذ القرار تمتد من الحكومات إلى الأحزاب إلى منظمات المجتمع المدني إلى الشعب، وكل ذلك عبر القنوات التمثيلية الديمقراطية.

هذا ويركز الليبراليون على الدور المحوري الذي يمكن أن تقوم فيه المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية في تنمية وتطوير التعاون الدولي لمواجهة المسائل المشتركة ذات الاهتمام الإنساني، فالتعاون هنا يعد بديلًا عن الصراع والحرب من أجل التوصل إلى نتائج ملموسة في القضايا العالمية، خصوصًا في ظل خلو النظام الدولي من سلطة مركزية، كما ألغى الليبراليون التقسيم التقليدي للواقعيين في التمييز بين السياسة العليا والتي تعنى بالقضايا الأمنية، والسياسة الدنيا والتي تعنى بقضايا كالبيئة والاتصالات؛ الأمر الذي منح الدول والمنظمات هامشا أوسع في المجالات التي يمكن أن يتمحور التعاون حولها.

أما أهم رواد الليبرالية في القرن العشرين فهم «مايكل دويل»، «كارل ديوتسش»، «فرانسيس فوكوياما»، «روبرت كيوهين» و«جوزيف ناي»، كما أن من أهم ما كتب في هذا المجال هو دراسة «ديفيد متراني»، والذي سلط الضوء فيها على أهمية التعاون الدولي في ظل التحديات التي باتت يفرضها التقدم التكنولوجي والطفرة في وسائل الاتصال الحديثة، فيما كانت أبرز الانتقادات الموجه لليبرالية هي الاعتماد على المؤسسات الدولية في تهيئة البيئة الدولية الملائمة للسلام، وهذا ينطوي على إشكال أن تعجز هذه المؤسسات عن تحقيق هذه البيئة، إما لعجز بنيوي أو للاختطاف من قبل الدول العظمى إذا ما تعارضت مع مصالحها القومية، كما أن هذه المؤسسات قد تسهم في استمرار الفجوة الاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب، حيث تعاملت الليبرالية مثل الواقعية مع النظام الدولي «الوستفالي» على أنه نظام معطى وثابت، وبذلك فإن اختبار الأبعاد الأخلاقية فيه يعود في الأساس لمصلحة الدولة أو الدول التي تشكل الركن الأساسي في هذا النظام.

هذا ويتبنى الليبراليون مفهوم السلام الديمقراطي، حيث إنه من المفترض أن يسهم انتشار الديمقراطية من الحد من الحروب؛ وذلك لأن الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض، فالثقافة السياسية في الدول الديمقراطية تقوم على التعددية وقبول الآخر، ومبدأ الحوار والإحساس بالمسؤولية الذاتية، كما أن التداول السلمي للسلطة في الديمقراطيات يضع محددات على صانع القرار أمام الرأي العام، وفي الغالب فالشعوب لا تميل إلى الحرب بقدر ميلها إلى التواصل والتعاون لخلق بيئة أكثر استقرارًا وازدهارًا، هذا ويعتبر أتباع النظرية الليبرالية أن الدول الديموقراطية تشكل فيما بينها منطقة من السلام، يصعب على قادة هذه الدول كسر هذا العرف من السلوك الحضاري وانتهاكه.

وقد انتشرت نظرية السلام الديمقراطي هذه بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما سمي أيضًا بعصر نهاية التاريخ لـ«فرانسس فوكوياما»، كما أن من أهم من نظّر لهذه النظرية هم «جاك ليفي»، «بروس رست»، «جان أون» و«مايكل دويل»، حيث إنهم قالوا إنه يمكن للديمقراطيات أن تخوض الحروب مع غير الديمقراطيات، ولكن يجب أن يكون الدافع وراء هذه الحروب الدفاع عن مبدأ من المبادئ الليبرالية التي تتعلق بالسلام الدولي وحرية الفرد، كما وتعتمد فرضية الحروب العادلة على مبدأ وفكرة التدخل العسكري لأغراض إنسانية.

النظرية البنائية

النظرية البنائية حسب تعريف «أليكسندر ويندت»، هي نظرية هيكلية اجتماعية للنظام الدولي، وذلك من حيث التغيير والسلوك الاجتماعي وعملية التفاعل، أي تفاعل الفرد والبناء الاجتماعي «المدرسة نموذجًا»، وذلك من خلال القواعد الناظمة، والقواعد الجازمة، والقواعد الإرشادية والقواعد الإلزامية.

أما أهم افتراضات النظرية فتعتبر أن الدول هي الوحدات الرئيسية للتحليل في النظرية السياسية الدولية، والهياكل الرئيسية في نظام الدولة هي عبارة عن بنية مشتركة من التفاعلات، وليست مجرد أمور مادية مستقلة، كما أن هويات الدول ومصالحها تتشكل بناء على عملية تفاعل وبناء مشتركة، وليست مجرد معاني تعطى بشكل خارجي ومستقل من قبل الطبيعة البشرية أو السياسة الداخلية، هذا وقد أكد «نيكولاس أنوف»، وهو أحد أبرز منظري النظرية البنائية أن هناك تأثيرًا متبادلًا بين الفرد والمجتمع وبين الدول والنظام، حيث يعتبر النظام وفقًا لذلك كيانًا اجتماعيًا، وليس ماديًا فقط.

كما أن هناك حالة من العلاقة الثنائية بين الفاعل «أي الدول» وبين النظام «أي النظام الدولي»، فالفواعل تعمل على تشكيل النظام من خلال مجموعة من المبادئ، ثم يتحدد سلوك هذه الفواعل وفق هذا النظام ومبادئه، كما أن عملية البناء وإعادة البناء هي عملية مستمرة وغير ثابتة، وهذا يعني أن هوية الفاعل ومصلحته يمكن أن تخضع للتغيير المستمر ووفق متطلبات التفاعل.

أما تفسير النظرية البنائية لفوضى النظام الدولي فيمكن التعرف عليها من خلال أعمال «ألكسندر وندت»، حيث تتلخص أفكاره عن النظام الدولي في النقاط الرئيسة التالية:

أ‌- البناء يتحدد بالأفكار أكثر من كونه يتحدد بالأمور المادية.

ب‌- الهوية والمصلحة تتشكل ويعاد تشكلها وفق هذه الأفكار والانطباعات.

كما ويقسم «ألكسندر وندت» النظام إلى ثلاثة أصناف:

1- النظرة الهوبسية نسبة إلى «توماس هوبس»، حيث تنافس الفواعل بلا ضوابط، أو ما يسميه «الكل ضد الكل».

2- النظرة اللوكية نسبة إلى «جون لوك»، حيث تنافس الفواعل وفق ضوابط متعارف عليها في «المجتمع الدولي».

3- – النظرية الكانتية نسبة إلى «إمانويل كانت»، حيث تسعى الفواعل إلى تحقيق السلام الدائم من خلال العالمية.

الجدير بالاهتمام هنا أن «ألكسندر وندت» يرفض هذا التقسيم، ويقبله بنفس الوقت؛ لأنه يرفض فكرة الحتمية في البناء الدولي، حيث يمكن أن يكون النظام هوبسيا «تنفسيًا»، ولكنه قابل للتحول إلى الكانتية «تعاونيا»، والمثال على ذلك أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا وتتشكل المصلحة عند الواقعية من خلال الأمور المادية «الأمن»، كما تتشكل المصلحة عند الليبرالية من خلال الأمور المادية والمنفعة الاقتصادية، أما المصلحة عند البنائية فتتشكل استنادًا إلى الهوية، كما يتم بناء الهوية من خلال عملية تفاعل مستمر بين الفواعل مع بعضها البعض وبين الفواعل والنظام، إضافة إلى أن هوية «الأنا» تعرف من خلال التعرف على هوية الآخر، وذلك من خلال استخدام مجموعة ضخمة من الرموز والروايات التاريخية والثقافية «الأدب واللغة»، والعادات والتقاليد والصور والإدراك، وكله من أجل بناء وإعادة بناء الهوية.

كما أنه وعند اعتماد مستوى النظام في التحليل السياسي لابد عن مراعاة عدة مسائل من أهمها:

1- فوضوية النظام «النظام الدولي خال مركزية».

2- شكل النظام «أحادي القطبية، ثنائي القطبية، متعدد القطبية».

3- مدى فاعلية المؤسسات الدولية في المسألة قيد البحث.

هذا وعند اعتماد مستوى الدولة في التحليل السياسي لابد عن مراعاة عدة مسائل من أهمها:

أ‌- نوع النظام السياسي في الدولة «ديمقراطي، دكتاتوري، ثيوقراطي».

ب‌- آلية صناعة القرار.

ت‌- توازن القوى بين مؤسسات الدولية، وجماعات الضغط وأصحاب المصالح.

أما عند اعتماد مستوى الفرد في التحليل السياسي لابد من مراعاة عدة مسائل من أهمها:

أ‌- التكوين النفسي لصناع القرار.

ب‌- تاريخه وخبرته السياسية.

ت‌- أيديولوجيته السياسية.

ث‌- فهمه للعالم من حوله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد