كلماتي ليس القصد منها إسعاد فريق وإثارة حفيظة الآخر. ولكن القصد هو الدفع بالمزيد من الأفكار في دائرة الفكر العربي والإسلامي المعاصر. إن المستفيد الحقيقي من القراءة هو من يسمح لعقله بتداول الأفكار المتباينة كمن يجالس رواد المعرفة في صالون ثقافي ويستمتع بمداولاتهم الفكرية وسجالاتهم. وهذا ما أتمناه من قارئ هذا المقال.. تحياتي.

——

إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير، استطاع آلاف من المصريين المختلفي الطباع والأمزجة والممارسات السلوكية والدينية والجنسية، أن يتعايشوا جميعا في بقعة واحدة هي ميدان التحرير. كانت ممارساتهم في هذه البقعة تجسد الليبرالية كقيمة اجتماعية ترسخ الحرية والمساواة. وظني أنه كانت بلادنا تحتاج إلى استكمال هؤلاء لنفس السلوك بعد أن انفضوا من ميدان التحرير وعاد كل إلى موقعه، الطبيب في مشفاه والعامل في مصنعه والمعلم في مدرسته والصحفي في مؤسسته الإعلامية والناشط السياسي في مجموعته السياسية. لكنهم لم يفعلوا.

لو تخيلنا أنهم استكملوا ممارستهم الليبرالية ، كيف كان ليكون المشهد السياسي ومن ورائه المشهد الاجتماعي والاقتصادي ثم التنموي في مصر؟

للوهلة الأولى يرد القارئ أن الحال كانت لتكون أفضل، نظام اجتماعي هادئ يتقبل الجميع، من النقاب واللحية إلى الشيوعي المتحرر من القيود والأعراف المجتمعية في ممارسته الجنسية. دولة من أركان جديدة تحارب الفساد، ونظام ديموقراطي يصارع الزمن لإنجاز التنمية المدنية في مختلف المجالات ليسد الطريق على منافس قد يبادله مواقع السلطة-المعارضة في انتخابات شفافة حيث يدرك المواطن البسيط أن لصوته قيمة وأن بيده تحويل مسار الدولة من اتجاه لاتجاه ومن برنامج لبرنامج.

من القراء من سيرد ويقول بل كان مشهدا يغضب الله ورسوله، ومن خالطهم فهو منهم. رجل تثير دواخله أفكار تقارب فكر داعش إلا أنه أخوف منهم على حياته ومستقبله، وبهذا اكتفى بالجلوس أمام النت. وقد يكون رجلا مؤمنا مجتهدا في العبادة والتقرب إلى الله بالطاعات ممن لم يشارك لحظات ميدان التحرير الأولى، فهو لا يستطيع أن يتحسس بعقله قيمة أحسها كل من شارك في هذه الأيام.

ومن القراء من سيرد ويقول الثورة كانت ليبرالية، أي ليس بها متدين واحد، والمتشددون هم من سرقوا الثورة وهي لا تزال بكرا.

صاحب النظرة الأولى هو الأكثر سوية والأقدر على تقبل الليبرالية كقيمة بل وممارستها. لكن لم العجالة في الاستنتاج.

هل كان صاحب نفس الرد ليطيق رؤية شرطي يلبس الصليب دون أن يتوجس منه ويستشعر استعداء ضده لو قرر تغريمه لتركه السيارة في وسط الشارع!

هل كان صاحب نفس الرد ليطيق رؤية آلاف الشباب يخرجون من الجوامع ملتحين ومقصري الجلباب دون أن يثير ذلك حفيظته الوسطية!

هل يستطيع صاحب نفس الرد العمل مع من يخالفه المظهر!

قس على ذلك الكثير والكثير. الممارسة الليبرالية تحتاج إلى ما يضمن نجاحها والقبول بها. قد قبلها آلاف في ميدان التحرير بغية التفرغ لإسقاط النظام بالحفاظ على الكتلة الحرجة لأعداد المتظاهرين. ولكن بعدها من يضمن قبول الليبرالية. من يقيد جموح عنفوان كل ذي فكر بفكره، حتى لو كان فكره الحق الخالص!

الليبرالية لا بد لها من رواد يقودونها، يرسخونها في المجتمع، في داخل التيار اليساري والتقليدي المحافظ والإسلامي. الليبرالية تحتاج في بدايتها إلى كثير من حبوب مهدئات الأعصاب وعصير الليمون بالنعناع.

الليبرالية تحتاج إلى زعزعة مركزية الإعلام في صنع الوعي المصري، الليبرالية تحتاج إلى قوانين راسخة تحميها. الليبرالية تحتاج إلى برلمان قوي يضع حدودا لمداها ومطاطيتها ليدع من وراء ذلك مساحات واسعة لممارستها. من يقبل مثلا في مصر بمظاهرة للعراة! حتى العلمانيون لا يقبلونها لمعرفتهم بالعرف المصري الراسخ.

إن كان لأحداث الخامس والعشرين من يناير أن تعلمنا درسا فهو أولا أننا بحاجة إلى الليبرالية كقيمة مجتمعية

——-

إن صنع الليبرالية في وعي الطالب المصري، وخلال عشر سنوات حتى ولو في ظل الديكتاتورية سيحول المجتمع وبسلاسة إلى شكل أكثر مدنية وديمقراطية وحداثة.

أين الدين إذن؟! يتساءل سائل، والرد: أين هو الآن؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد