تعود أصول الليبرالية كفكرة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية إلى القرن السابع عشر الميلادي، وينسب تأسيس هذا الفكر كفكر جديد على أوروبا للفيلسوف جون لوك، يُعرف لوك الليبرالية كحق أي إنسان في الحياة والحرية والتملك وعدم الاضطهاد بما لا يخالف العقد الاجتماعي. الليبرالية في روحها والبعيدة عن التأويلات والتيارات التي نشأت منها على مدى التاريخ، والتي تدور حول فكرة الحقوق المدنية النابعة من إنسانية الأفراد، لا يمكن أن تثير لغطاً أو إشكالاً، لكنها من أكثر المفاهيم إشكالية في مجتمعاتنا العربية وتجر غالباً على من يتحدثون بها أو يدعون لها سيلاً من الاتهامات بالزندقة أو العمالة أو الخيانة. لا يمكن أن تثير معاني الحرية والكرامة حفيظة عاقل غير منتفع، فلماذا تثير الليبرالية هذا اللغط؟

إن من أكبر الإشكاليات التي تطرح عن الليبرالية هي موقف الليبرالية من الدين ومن ممارسته، وهنا يبرز الخلط بين الليبرالية والعلمانية، فالعلمانية هي من تتخذ موقفاً عدائياً في بعض صورها وتطبيقاتها تجاه الدين. العلمانية تتبنى فصل الدين عن الدولة، ورفض الاعتماد على الدين في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير الدولة، لو على رأسها شكل نظام الحكم؛ تتفاوت حدة موقف العلمانية تجاه ممارسة الأديان في المجتمع من الاعتماد على الوقائع لإدارة الدولة وليس على النصوص الدينية وأراء رجال الدين، لمنع المظاهر الدينية في القطاع العام، أو إلى حد تقييد حرية المواطنين في ممارسة الشعائر الدينية. تمثل الحالتان الأخيرتان تناقضاً صريحاً مع حرية الأشخاص التتي تتبناها الليبرالية بوصفها تقيد حرية المعتقد، وهو ما يعني أن الليبرالية والعلمانية ليستا مرتبطين، فضلاً عن أن يكونا مفهوماً واحداً. هناك أمثلة كثيرة لحكومات علمانية غير الليبرالية، فالشيوعية السوفيتية التزمت العلمانية لأبعد حدودها، وتبنت الإلحاد، لكنها لم تكن الليبرالية، بل كانت من أكثر السلطات التي عرفها العالم استبداديةً.

 عربياً لم يعرف العرب تجارب ليبرالية ناجحة، فقد فشلت معظم التيارات السياسية التي تبنت فكراً مستمداً من المدرسة الليبرالية ووصلت للسلطة في تحقيق الهدف الحقيقي للدولة، ولأي فكرة سياسية، وهو إعمار الأرض كمهمة الإنسان التي كلفه الله بها. نشأت في المنطقة العربية عدة تيارات ليبرالية تأثرت في معظمها بالظروف الخاصة بها وبالأشخاص الذين أسسوها. التجربة الأولى كانت الليبرالية القومية والتي تبناها التوجه الناصري، وهذا الفكر الذي تبنى مسألة الحريات الشخصية وعدم تقييد السلطة سلوك الأفراد بدافع الدين أو العرف، وهو ما انعكس في ما سمي بالانفتاح الذي شهدته فترة الخمسينيات وحتى السبعينيات، لكنها عمدت لتحجيم الهوية الدينية الإسلامية والإثنية لبعض الأقليات لصالح فكرة القومية العربية، وهو ما يتنافي مع مبدأ حرية الفكر الذي تطرحه الليبرالية. كذلك فقد كانت هذه السلطات سلطات استبدادية قمعت الأفكار المعارضة بحجج محاربة الإمبريالية، أو التطرف، أو الصهيونية. 

التجربة الثانية للعرب مع الليبرالية هي فكرة الدعوة لتبني الطراز الغربي في الحياة القائم على مبادئ الليبرالية، ولهذا يعد من ينادي به نفسه ليبرالياً. ينظر هؤلاء إلى أقرانهم المتخلفين – بنظرهم – في الدول العربية بشيء من الاستعلاء ويدعون لفرض الطراز الغربي في الحياة على الشعوب العربية لكون هذا – من وجهة نظرهم- السبيل الوحيد لانقاذ الشعوب المتخلفة، حتى لو كان عبر تدخل الدول الغربية في شؤون الدول العربية  بل غزوها عسكرياً. إن فكرة فرض أسلوب حياة شعب على شعب آخر هي ضد أبسط مبادئ الحرية فضلاً عن أنها تطمس هويتهم وأهدافهم ومعتقداتهم بأخرى مستوردة من بيئة مغايرة لها خصوصيتها. إن طبيعة هذه الإيديولوجيات الليبرالية وما تروج له من ليبرالية سطحية تدمر أبسط وأهم معاني الحرية للأشخاص وتتسبب في تدهور الأوضاع، سواء بالترويج للاحتلال، أو بمنع معارضة السياسات الخاطئة؛ مما يؤدي لتنفير الأفراد من الليبرالية كفكرة في كليتها.
الليبرالية فكرة بسيطة في بدايتها، لكنها تشعبت وتعقدت مع مرور الزمن وأصبحت التجارب الفريدة للأمم في تطبيقها جزءاً من حكايتها التي اشتملت على تيارات وتجارب ناجحة وأخرى فاشلة. ليس هدفي التنظير عن الليبرالية فضلاً عن مهاجمتها أو الدفاع عنها، لكن ما أريد قوله هو أننا كعرب ومسلمين بحاجة لأن نثقف أنفسنا عن المفاهيم الإشكالية في حياتنا لتجنب الوقوع في فخ إساءة الفهم، أو الخلط بين المصطلحات ومن ثم الانسياق وراء الخطابات، كتلك التي تكفر أو تخون دون أن يمتلك من يتبناها المعرفة اللازمة لمخاطبة العامة بأرائه أو إصدار الأحكام عليهم. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد