أقصد بالأقلية الجماعة التي فقدت تأثيرها لتكون من الأغلبية المؤثرة بواسطة السياسة الرسمية للدولة. بمعنى آخر، هم الأفراد الذين فقدوا القدرة على تكوين الأغلبية البرلمانية والحكومية والرئاسية عن طريق سلوك سبيل الانتخابات. ولكن حتى تتمكن الأقلية من التأثير، فلا ملجأ  لها إلا انتهاج سبيل السياسة غير الرسمية.

وكلاهما مشروع في عالم اليوم، السياسة الرسمية وغير الرسمية، ولكنهما لو لم يكونا مكمليْن لبعضهما البعض فأحدهما يعيق تقدم الآخر.

لنكن أكثر بساطة:
السبيلان الأساسيان لتحقيق التأثير السياسي يتمثلان إما مؤسسات الدولة الرسمية كالرئاسة والبرلمان والحكومة، أو المؤسسات غير الرسمية كالمنظمات غير الحكومية، مراكز الفكر، جماعات الضغط، والإعلام… إلخ.
والسبيل الأخير هو المعني بمقالتي، وربطه بالأقلية غير الممثلة رسميًا، وشرعيتها وأهميتها في التأثير على سياسة الدولة.

مفهوم أن رؤية الواقعية الكلاسيكية تتمادى إلى القول بأن الدولة هي المؤثر الأوحد على الساحة العالمية. بالتالي، عند الواقعيين، الحاكم في الدولة هي مؤسساتها الرسمية الثلاث (الحاكم، الحكومة، والبرلمان) والتي تستمد قوتها من الأغلبية الشعبية التي منحتها حق شغل تلك المناصب الثلاثة.
إلا أن الواقعية الجديدة – التي أحدث مفكروها مراجعات على الواقعية الكلاسيكية – ارتأت أن الدولة (متمثلة في تلك المؤسسات الثلاث) هي صاحبة التأثير الأبرز وليس فقط الأوحد على الساحة العالمية، وكان التطور هنا نتيجة بروز فاعلين جدد على الساحة العالمية كالشركات عابرة القارات والمنظمات غير الحكومية وبعض الشخصيات المستقلة التي تساهم في تشكيل السياسة العالمية… إلخ.

مفهوم أيضًا أن الأنظمة الليبرالية في الغرب لا يشكلها إلا شعوب تلك البلاد، ولكنها ذاتها الأنظمة الليبرالية (أو بلفظ آخر، كثير من الأنظمة الغربية) التي سنحت لمنظمات غير حكومية ومراكز فكر عالمية وقنوات بث فضائية بالنشوء لتحقق ما لا تقوى على تحقيقه في الإطار الرسمي القديم لشكل الدولة. اللطيف أن كل هذه المنابر خارج إطار الدولة بالمعنى التقليدي الذي عرفه الواقعيون الكلاسيكيون وخارج إطار الإرادة العامة للشعوب. وكلها لا شك منابر تساهم في التأثير السياسي  حيث إن هﺬه الهيئات الجديدة صار لها من التأثير على الإرادة العامة والرأي العام رغم أنها لم تُدع لتمثيل العامة في المنابر الثلاثة التقليدية (في الحكم، الحكومة، البرلمان).

وعليه، صار يُفرض على شعب ما مصير ما وتغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية ما نظرًا لأن قلة (المنابر الجديدة المُشار إليها) ارتأت فرض رؤيتها على العامة الأغلبية. صارت هﺬه الهيئات الجديدة تحل محل الحكومات المنتخبة من شعوبها بدفعها لأجندات على طاولة الأحداث السياسية لم تكن لتدرج على أجندة الدولة بشكلها القديم. فالمنابر الثلاثة لم تعد وحدها صانعة الحدث أو التأثير. بل انضم إليها فاعلون جدد قادرون على إما أن تعتلي دور المؤسسات القديمة (التي جاءت بها الأغلبية) أو توازيها في التأثير.

بالتالي، ساهمت بعض الليبراليات الغربية في أن تسمو إرادة الأقلية على الأغلبية من جانب، وعلت قرارات تلك الأقلية على مبدأ حق الشعب في رسم مصائره السياسية وصارت ترسم المستقبل بدلًا منها، ثم إنها باتت تمثل ضغطًا  على دور الحكومات في استقلاليتها في رسم سياسة اختارها الشعب لتقوم بها.

وعليه، فإن تفشي انتشار هﺬا النوع من الفاعلين الجدد داخل مجتمع ما من الممكن أن يُستغل من قبل  داعميهم، سواء كانوا أشخاصًا أو حكومات، محليين أو دوليين، لتلتف على إرادة الشعوب لمجرد أن هذه الهيئات وأهدافها تتعارض في مصالحها مع ما ذهبت إليها الأغلبية الشعبية. وتكون في هذه الحالة الهيئات غير الحكومية – التي تمثل أفرادًا هم أقلية في الأصل – أداة التفاف على إرادة الأغلبية.

هﺬا النوع من السياسة غير الرسمية إما أن يساهم في تحقيق إرادة الأغلبية أو أن يسرق إرادتها. إيجابية ذلك أو سلبيتها تقف على الوضع الذي يقف فيه كل منا والسياق السياسي الحاصل. فالتمكين بالنسبة لهذه الأقليات قد يكون سلبيًا إن جاء لتقويض حكم ديمقراطي، أو إيجابيًا، إن جاء ليخلخل أنظمة ديكتاتورية.

من الأمثلة في هذا الصدد، المنظمات الحقوقية غير الحكومية (هيومان رايتس واتش، والعفو… إلخ) في مناشدتها حقوق سَلبها حكمًا ديكتاتوريًا، أو حركة تضامن العمالية في بولندا 1989 التي كانت لبنة في تقويض الاتحاد السوفيتي. أو هي الجهات الإعلامية التي تؤذن بخراب العمران الديمقراطي ليل نهار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد