حينما نتحدث عن الليبرالية، يخطر فجأة على بالنا مفهوم الحرية والمساواة في كافة جوانب الحياة. حرية التعبير عن الرأي، وحرية المعتقدات الدينية، وحرية الفكر، والحرية الشخصية… إلخ.

ومما لا شك فيه أن كل إنسان يختار حياة خاصة به، ويعيش بالطريقة التي تتماشى مع أفكاره وميوله، ويحرص كل الحرص على ألا يؤذي الآخر، ويقدر الحريات العامة، ولا يتدخل في حرية الآخر.

لا تجبر الليبرالية أي مجتمع أو شخص على اعتناق دين أو مذهب معين، وبهذا المفهوم تبقى للفرد الأحقية في الاختيار والاتباع. وبما أن الليبرالية تتيح للأفراد ممارسة حريتهم، فليس معنى هذا أنهم يفعلون ما يحلو لهم، بل هم أحرار ضمن الشروط والقواعد التي تنص عليها الليبرالية. فالدولة الليبرالية لا تتدخل في الشعب أو في الأنشطة التي يقوم بها ويزاولها، ولكن دورها يبرز بشكل أو بآخر إذا كانت تلك الأنشطة تضر بالمصلحة الفردية.

هذا من ناحية حرية الفكر أو الحرية الشخصية، أما في ما يتعلق بالليبرالية الاقتصادية، فقد اعتقد أب الاقتصاد الحديث آدم سميث في كتابه ثورة الأمم والذي دعا من خلاله إلى تعزيز المبادرة الفردية، والمنافسة، وحرية التجارة، بوصفها الوسيلة المثلى لتحقيق أكبر قدر من الثروة والسعادة، وأن أفضل وسيلة لتنظيم المجتمع هي إخضاعه لحركة السوق، ولكنه لو عاش حتى نهاية القرن العشرين، فقد كان سيصاب بالذهول أمام الحالة التي أصبح عليها العالم الآن، وكان سيصدم أيضًا لاستخدام اسمه في تبرير عدم المساواة والمعاناة التي خلقها نظام السوق.

ولكن السؤال المطروح، هل كل ما طرحه آدم سميث في المجتمع الغربي آنذاك، والذي لقي تأييدًا وقبولًا لا مثيل له يعتبر مرجعية لمعتنقي الليبرالية الاقتصادية في المجتمع العربي؟ ربما قد أجاد المفكر المغربي عبد الله العروي في وضع توصيف للحالة الليبرالية في أوروبا في هذا الوقت بقوله: يجب ألا ننسى أن الليبرالية كانت تمثل في القرن الماضي الهواء الذي يستنشقه كل من كان واعيًا بشخصيته وبحقوقه في أوروبا الغربية، إنها كانت العقيدة العامة بالنسبة للأوروبيين المثقفين بحيث كانت تكاد أن ترادف الفكر الأوروبي. «مفهوم الحرية- عبد الله العروي»

أعتقد أن مفهوم الحرية في عالمنا العربي يبقى موضوعًا مطروحًا يحتاج إلى نقاش صريح من طرف معتنقي الليبرالية. لماذا توجه الاتهامات الثقيلة حينما يتعلق الأمر بنقد الموروث الثقافي وما تعلمناه من الآباء والأجداد مند نعومة طفولتنا؟ جل المجتمعات العربية المحافضة ترفض مراجعة الموروث الثقافي الشعبي ونقده حتى ولو اقتنعت بمبدأ حرية التفكير؛ لأن ذلك سيساهم بشكل أو بآخر في ثورة فكرية ستقلب المفاهيم السائدة رأسًا على عقب.

حرية التفكير والتعبير تتهم بالتنكر لتراث الآباء وتقليد الغربيين والنقل عنهم، وتلك هي التهمة التي وجهت إلى عميد الأدب العربي طه حسين حين أصدر دراسته الجريئة عن الشعر الجاهلي، إذ واجه ردودًا عنيفة من طرف النقاد وعلماء الدين، خصوصًا بعد اعتماده منهج الشك لديكارت الذي اعتبره منهجًا علميًّا صحيحًا في البحث عن حقائق الأشياء، وهو منهج فلسفي قائم على الحرية في البحث والاستقصاء والتحليل في البحث العلمي والتاريخي، والحاجة إلى التجرد من العصبية القومية وكل ما يقيد الفكر.

ووجهت للدكتور لويس عوض انتقادات لاذعة على ما أصدره في كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية» حينما قال: «إن العربية وهي لغة حديثة مقارنة بغيرها، لم تكن لغة آدم، ولم تكن مسطورة في اللوح المحفوظ». هكذا قال الدكتور لويس عوض منذ أكثر من 30 سنة في كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، الذي صدر عام 1980، ومثـّل هذا الكلام صدمة كبيرة للجميع الذين رأوا أنه يحتوي على الكثير من الأباطيل والافتراءات؛ لذلك قدم الأزهر مذكرة بمنع توزيع الكتاب ومصادرته، وبالفعل تم مصادرة الكتاب واعتقال مؤلفه عام 1981، على الرغم من أنه صدر عن دار نشر حكومية وهي «الهيئة العامة للكتاب»، والتي كان يرأسها في ذلك الوقت الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور.

وفي هدا الصدد توجه المجتمعات العربية المحافظة دائمًا اللوم والانتقادات اللاذعة لكل من ينادي بحرية الفكر وتطبيقها على أرض الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد