هاجت الدنيا ولم تقعد في الأوساط الليبرالية بسبب مقالي “الإخوان والتأسيس الرابع” وأخذ الجميع منهم المقال في سيمفونيات كلاسيكية ودرامية أعجبتني كثيرا في الحقيقة، وجاء المقال لكثير من ذوى الضمير منهم كطوق نجاة ينجيه من عذاب الضمير الذي ينتابه ويؤرق مضجعه هذه الأيام لاشتراكه في جريمة 3 يوليو؛ ليسوق المقال في سياق تبريري يُسمع به أذناه أنه اشترك في هذه الجريمة الانقلابية. وبالغ أحدهم ووصل به الشطط إلى حد غير مسبوق ليعتبر هذا المقال برهانا وتأكيدا على أن الإخوان لم يشاركوا في ثورة 25 يناير!

كل هذا بسبب أني لم أرَ أن الثورة لم تكن محطة من محطات التأسيس لدى الإخوان، لن أحدثك بلغة التعالي وأقول لك أن الإخوان الذين لهم تاريخ يفوق الثمانين عاما مرّوا خلالها بأحداث ربما تضاهي خطورتها وأهميتها عن خطورة وأهمية الثورة المصرية بـ25 يناير، ربما لم تدرك أنت ذلك لاعتبارات عديدة، يصعب عليَّ سوقها هنا لك، لن أحدثك بهذا لأني لست متحدثا باسم الإخوان وهذا ليس دوري، ولكن أهمس في أذنك برفق وأقول لك: قليل من العدل والإنصاف أيها الرجل! فليس لأني لم أرَ الثورة من وجهة نظري مرحلةً تأسيسية للجماعة فهذا يجردهم من دورهم المشهود، الذي شهد به الحليف والعدو في ثورة 25 يناير.

ولن أعرّج على كثير مما قاله أصدقائي الليبراليون، وكانوا يلوون النصوص، ويحملونها ما لا تحتمل، فلست في موطن دفاع أو توضيح، فالمقال واضح لكل ذي لُب أو بصيرة.

ولكن ما يعنيني هو شأن آخر، ما يعنيني حقا أن ندرك أن المقال كان عبارة عن مراجعة نقدية لآداء وممارسات الجماعة ومضار ومنافع الانقلاب عليها، هكذا يقف نخبة الإسلاميين، يراجعون، ويفندون، وينتقدون، ويشاركون الرأي، ويدفع هذا بحجة ذاك في شجاعة وتحضر، ويقبل الجميعُ الكلَّ؛ ليتشكل في النهاية الرأي العام الجمعي للإسلاميين متشكلا بتدافع النخبة في الرأي والحجة، فقط ادخل على هاشتاج #تحولاتي_الفكرية_الأخيرة وسترى كما هائلا من المشاركات والأطروحات خارج الصندوق وداخله وعلى جدرانه كذلك.

والسؤال الآن أين الليبراليون من هذا كله؟! أين الليبراليون من مراجعة النفس ووقفات النقد مع الذات؟ لماذا يُصر الليبراليون على أن يطعنوا يوما بعد يوم في أبسط مبادىء الليبرالية، ويتعاملون مع أخطائهم بمنتهى التعالي والتكبر؟ انتظر لا تغضب، واسمعني، فسماع الآخر من أوليات الأخلاق الليبرالية وإن كان مخالفا!

عزيزي الليبرالي، أتمنى عليك أن تتناول ورقة وقلم واكتب حادثة واحدة فاز بها الإسلاميون في انتخابات حرة نزيهة وبديمقراطية شهد لها الجميع، ولم يفعل الليبراليون واحدة من ثلاث، عدم التعاون معهم في تشكيل أي حكومة، ولو كان في ذلك ضرر للمصلحة الوطنية، أو تحالف مع العدو التاريخي لليبراليين، وهم العسكر؛ لتجهيز انقلاب عليه يتغطى بغطاء الثورة – أو تأليب الرأي العام عليه واتهامه بالفشل أو بالفاشية الدينية أو بالديكتاتورية أو “مش كاريزما” أو البلد كبيرة عليه وبقدرة قادر تكون الانتخابات والديمقراطية غير مقدسة، ويسوقون أن هتلر قد أتى بالديمقراطية تبريرا لهم للدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وعدم احترام نتيجة الصناديق الانتخابية!

متى يا صديقي وقف الليبرالي السياسي وقفة أردوغان والغنوشي – المحسوبين على الإسلام السياسي – تجاه الديمقراطية؟ حين قال الأول في آخر انتخابات أن الشعب قرر وينزل الجميع على قراره، وقال الآخر حين خسر الانتخابات فازت تونس وخسرت النهضة. لماذا لم نسمع هذه الكلمات أبدا من ساسة الليبراليين مع أنها ليست بالشيء المعجز بل هي أبسط قواعد الديمقراطية والتحضر؟! صدقني يا صديقي ستسلم ورقتك بيضاء ناصعة البياض.

لماذا يعيش الليبراليون دائما في تبرير مواقفهم بتبريرات لا تليق بأخلاق الفرسان؟ لماذا لا يقدرون على الاعتذار؟! اعتذر الإخوان في أكثر من موضع، ودفعوا ثمن أخطائهم بحورا من دماء. لماذا – حتى كتابة هذه السطور – تستنكف الليبراليين بمجرد الاعتراف أن ما حدث في 3 يوليو انقلابا؟ مع أنه قد عرف الجميع أنه انقلاب وأدرك الكل حقيقته، والأجدر بهم الاعتذار بشرف عن مشاركتهم فيه. لماذا لا تقوم النخبة الليبرالية بأي صورة من صور مراجعة النفس والوقوف مع الذات؟ ليس همهم إلا شتيمة الآخر والتعالي على هذا وإلصاق التهم، وما آلت إليه الظروف السوداء بسبب إخفاق هذا أو ذاك، وهم بالطبع نزهاء من هذا كله. لماذا يجدون أنفسهم ذوي حق في كل مغنم، ولا يجدون أنفسهم أبدا عليهم من المغارم والتكاليف شيء؟!

ستعتبرونني أهذي كعادتكم، ربما، كل ما أقوله أنكم بحاجة حقيقية إلى وقفة صادقة مع الذات، مراجعة فكرية حقيقية تُقاس فيها مواقفكم على مسطرة المبادىء والقيم، فإن ما شهدناه على مدار السنوات القليلة الماضية، كان هناك تناقض كبير بين مواقفكم ومبادىء الليبرالية التي أنتم منتمون إليها نسقا فكريا. لم نجد حتى الآن إلا سبًّا لمن خالفكم في الفكر واستهزاء به، ولم نجد إلا انتهاكا صارخا لمبادئ الديمقراطية والليبرالية، فعلى النخبة الليبرالية أن تقوم بهذا الدور بشجاعة وقوة ووضوح، ربما تكون هذه الخطوة الأولى في التأسيس الأول لتيار ليبرالي قويم راشد قادر على إثراء الحركة الوطنية بمزيد من التحضر والرقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد