يشعر الليبراليون الأوروبيون بالانتصار العظيم، بسبب الفوز الذي حققه المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون على اليمينية المتطرفة ماري لوبان. فكانت الانتخابات الفرنسية الأخيرة بمثابة مرحلة مفصلية في التاريخ الأوروبي. ذلك الاتحاد الذي أصبح يواجه تحديات على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية بعد تفاقم الأوضاع الدولية من نزاعات وحروب، وفترة ركود اقتصادي عالمي كلها خلفت مزيدًا من المهاجرين واللاجئين الذين فروا من الجحيم الذي يعيشونه.

بعد انتهاء فترة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، صرح بأن ليس لديه نية بالترشح لولاية ثانية. إذ ينص الدستور الفرنسي على تولي الرئيس مقاليد الحكم مدة خمس سنوات قابلة للتمديد مرة واحدة؛ مما حد بالرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند عدم الترشح لولاية ثانية، والاكتفاء بولاية واحدة بعد أن اعتلى قصر الإليزيه في انتخابات 2012 بنسبة 51.9%، متفوقًا على نظيره الرئيس، المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي، الذي حصد نسبة 48.1%.

ففرنسا إحدى القوى الكبرى في العالم، وواحدة من الدول الخمس في مجلس الأمن التي تمتلك ما يسمى بحق النقض (الفيتو)، خاضت فترة عصيبة نظرًا لتأزم السياسة الدولية التي انعكست على الداخل الفرنسي، وذلك بدخول السياسيين الفرنسيين ساحات الانتخابات محملين ببرامج وأيديولوجيات يسعون من خلالها للفوز بكرسي الرئاسة، إلا أن هذه المرة انقسم المرشحون للانتخابات حول أفكار محورية، وهي ظهور القومية والتصويت مع أو ضد الخروج من الاتحاد الأوروبي، والتمسك بالعملة الأوروبية الموحدة اليورو.

مما عجل بالأحزاب السياسية الفرنسية لإيجاد مرشحين لهم، وصياغة برامج حزبية لاعتلاء الحكم في فرنسا. بحيث أقيمت الجولة الأولى من الانتخابات في 23 من نيسان/ أبريل 2017، وتصدر ماكرون السباق في الجولة الأولى من الانتخابات، بحصوله على 24.01%، تليه لوبان بـ 21.30% من أصوات الناخبين، وفي الجولة الثانية حصل ماكرون على 66.06%، والذي أعلن من خلالها الفوز بالرئاسة في فرنسا، في 7 مايو 2017 ليصبح أصغر رئيس فرنسي. وفي المقابل، حصلت مرشحة أقصى اليمين الخاسرة مارين لوبان على نحو 33.64% من أصوات الناخبين.

فقد حظيت الانتخابات الرئاسية الفرنسية باهتمام كبير من قبل العالم؛ نظرًا للأوضاع والمتغيرات المترتبة عليها بعد اعتلاء الجمهوري دونالد ترامب سدة الحكم في أمريكا، والذي ينتمي لليمين المتطرف، ولحقته بريطانيا بتصويت الشعب للخروج من الاتحاد الأوروبي. وصعود التيار اليميني فيها، فبدأت تعلو أصوات التطرف في أوروبا، لا سيما وإنها زامنت فترة متوترة من العالم، وهي فترة تشكيل وتحرير بنية النظام الدولي حينما وصلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تضخم من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في تسعينيات القرن الماضي، وإقامة قواعد عسكرية ما وراء البحار للهيمنة على العالم، والدفاع عن حلفائها والحيلولة دون قيام قوة إقليمية من شأنها تهديد الولايات المتحدة ومنافستها على قيادة العالم.

 ولكن سياسات أوباما الخارجية التي تنبع من عقيدته السياسية أوقفت هذه الهيمنة، وأدت إلى التراجع للداخل الأمريكي لمعالجة قضايا أمريكية داخلية ملحة، وإيقاف الاستنزاف والهدر المالي في الحروب وما شابهها بعد ما خاضت الولايات المتحدة ثلاث حروب في القرن الماضي (فيتنام وأفغانستان والعراق) كانت كافية لاستنزافها ماديًّا وعسكريًّا، وكذلك سياسيًّا.
وذهب ترامب على نفس الخط، ولكن على طريقته الترامبية المتطرفة بالعداء للمهاجرين، وعدم استقبال اللاجئين، وتكرار عبارة أن «أمريكا للأمريكيين»؛ مما يعني التنازل عن القيم الليبرالية التي كانت يومًا من الأيام أحد أسباب قيام النهضة الغربية (الأمريكية والأوروبية) وتكوين الدولة؛ بل وسبب قوتها ومصدر فخرها. تبعتها بريطانيا مما حد برئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتقديم استقالته في حالة التصويت على الخروج من الاتحاد، وحدث ذلك فتأزم الوضع في أوروبا بين مؤيد ومعارض، التي بدورها حفزت الكثير من الأحزاب المتطرفة في الدول الأوروبية، بإقفال حدودها والبقاء على الهوية القومية والخروج عن أي اتحاد مع أوروبا سياسيًّا كان أم اقتصاديًّا.

فما هي أوروبا قبل الاتحاد؟
كانت أوروبا تمر بمرحلة تشرذم وحروب طاحنة وانقسامات مذهبية ودينية، فالدمار والمعاناة الإنسانية التي تسببت بها الحربان العالميتان الأولى والثانية في القارة الأوروبية خلقت شعورًا بضرورة بناء علاقات دولية قوية تحول دون تكرار تلك الكوارث.
ويعد السياسيان الفرنسيان جان مونيه وروبرت شومان مهندسي المبدأ القائل إن السبيل الأفضل لإطلاق عملية الالتحام الأوروبية يمر من خلال تطوير العلاقات الاقتصادية بين الدول الأوروبية.
وكان هذا المبدأ هو أساس معاهدة باريس لعام 1951، التي انبثقت عنها «منظمة الفحم والصلب الأوروبية»: التي انضمت إليها كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ.

معاهدة ماستريخت وما بعدها

نصت معاهدة الاتحاد الأوروبي التي وقعت في مدينة ماستريخت الهولندية في عام 1991 على أن الاتحاد هو وريث المجموعة الأوروبية.
وفي ذات الوقت، وسعت معاهدة ماستريخت مفهوم الاتحاد الأوروبي، وذلك بإدخال مبدأي السياستين الخارجية والأمنية المشتركتين، والتحرك نحو تنسيق السياسات الأوروبية بخصوص اللجوء والهجرة والمخدرات والإرهاب.
كما انبثق عن معاهدة ماستريخت – وللمرة الأولى- مفهوم المواطنة الأوروبية، أي السماح لمواطني الدول الأعضاء في الاتحاد بالتنقل بحرية بين كل دول الاتحاد. كما وضع البند الاجتماعي الذي احتوته المعاهدة الأساس للسياسات التي يتبعها الاتحاد الأوروبي في مجالات حقوق العمال، وغيرها من المسائل الاجتماعية،
ووضعت المعاهدة أيضًا جدولًا زمنيًّا لتحقيق الوحدة الاقتصادية والمالية بين الدول الأعضاء، كما وضعت الشروط التي يتعين على الدول الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الوفاء بها.

الوصول لوحدة العملة

تم اعتماد العملة الأوروبية المشتركة – اليورو- للمرة الأولى في عام 1999 من قبل 11 من الدول الأعضاء في الاتحاد. فبالإضافة إلى التكامل السياسي والأمني أصبح هناك تكامل اقتصادي أيضًا يجمع أوروبا التي كانت يومًا من الأيام جاهلة وعدوانية وفقيرة وفاسدة.
فبعد هذا التوحد السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين أبناء أوروبا، أخذت القيم الليبرالية تنتشر في القارة العجوز، وكذلك القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأصبحت أوروبا جنة الله في الأرض، لامتلاكها كافة سبل العيش الكريمة والرفاهية، والأمن والاستقرار. اختصارًا، أصبحت أوروبا مطمعًا لجميع شعوب العالم لنيل رغد العيش فيها.

فكان تغير بنية النظام الدولي بمثابة لعنة على أوروبا، بل وعلى ليبراليتها التي يفتخر بها دائمًا في المحافل الدولية، فالعالم الآن يشهد تغيرًا في موازين القوى، وكانت بدايته كما ذكرنا بوقوف القوة المهيمنة (الولايات المتحدة) عن دورها الحيوي. وتراجع بوارجها وقواتها العسكرية المنشرة في الكثير من قواعدها في العالم.
وفي العودة للانتخابات الفرنسية 2017 نلاحظ الاهتمام الكبير من قبل العالم، وأوروبا بالخصوص، لما ستؤول له نتائج هذه الانتخابات لتأثيرها بشكل كبير في أوروبا وفي مستقبل الاتحاد الأوروبي.

فكان هناك انقسام كبيير بين من يدعون للإبقاء على الحياة الليبرالية في أوروبا (الليبراليين)، وبين من يريدون الانكفاء على النفس وإغلاق الحدود وفض الشراكات والمعاهدات المختلفة (اليمنيين المتطرفين).
فكان انتصار ماكرون ليس لفرنسا فقط؛ بل للأحزاب الليبرالية المنتشرة في الدول الأوروبية التي تريد بقاء الاتحاد الأوروبي وتماسكه، والحفاظ على القيم الليبرالية التي تعتبر مصدر فخر لأوروبا واعتزازها.
ففرنسا دولة لها ثقلها في أوروبا وفي العالم، وفوز الليبراليين يعلي من حظوظ بقاء الاتحاد الأوروبي وتماسكه، بل ويشجع الأحزاب الليبرالية في الدول الأوروبية المختلفة في انتخاباتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حقائق عن الاتحاد الاوروبي
خروج فرنسا من أوروبا سيكون كارثياً
عرض التعليقات
تحميل المزيد