تتجلى الحقيقة المرة يومًا بعد يوم، أن الرئيس هادي ليس إلا جثة هامدة لا تسمن ولا تغني من قرار أو تصريح، ومع كل حادثة تضرب خاصرة الوطن تذهب آمال المتفائلين به خيرًا أدراج الرياح، والذي كان بالأمس يقول إن عبقرية هادي في الصمت هي سياسة يتخذها ليجاري الوضوع الراهن، أمسى اليوم ساخطًا، عنه غير راضٍ، حتى عن ذكر اسمه أو صفته الشرعية، والتي يبدو أنه لم يستحقها يومًا!

يُظهر هادي الكثير من علامات حسن النية والعفوية المقيتة، والبال الهادئ، والطابع الذي يُخبر الجماهير بأن الوطن ما زال بخير، وأن ما يحدث مجرد فقاعات ستمر وستعود حتمًا المياه إلى مجاريها، وهذا باختصار تحول إلى ما يشبه الكذبة المتكررة ذات الوجوه المتعددة.

من حصار صنعاء إلى عدن ثم إلى الرياض وإلى غير رجعة، طوال هذه الفترة كتمت الأفواه ألسنتها متفائلة بما سيحدث، وتخلق رغمًا عن أنفسها بادرة الأمل والخير بهادي، ومرت الحرب على الوطن سنة بعد أخرى والكل ظل يترقب عبقرية هادي المكنونة، وينتظر بزوغها، بل يدافع بشراسة عمن ينتقد شرعية هادي، فهو الرئيس المنتخب والشرعي والوحيد القادر على تخليص الوطن مما يعاني، ويغض الطرف عن المآسي التي أحدثتها الطائرات، ويتحمل جراحه ويتكبد الآلام إخلاصًا وتفاؤلًا بهادي.

ورغمًا عن هذا كله أحاط هادي نفسه بعلية من القوم، همهم الأخير قبل الأول تحصيل حفنة من الدولارات والريالات، وتطمين نفسية هادي وملء جوفه بالأخبار الجميلة والتقدم المستمر للجبهات والمعارك، وهو حتمًا لا يعلم متى هي آخر محطة لسير معركة الاستعادة الوهمية، كما هي كذلك علية القوم المحيطة به، فالكل هناك يقبع في حفرة لا تكاد الشمس تصل إليها.

بعد هادي وحكومته العجوز تأتي من خلفه السعودية، والتي تسمح أو لا تسمح، وتمنع أو تصرح لكل نفس يتنفسه هادي ومن حوله.

فالأنفاس محسوبة، والحركات مكتوبة، والقرارات مطبوخة، والتصاريح معلومة سابقًا، والتعيينات والاستشارات والمناصب والوزارات والدعم، وكل ما يخطر على البال وما لا يخطر أيضًا.

أضحت الحكومة اليمنية ومن يرأسها بعد ست سنوات من محاولة استعادة مقراتها بلا مقرات ولا قرارات، وهي أشبه بجهاز تلفاز لا يعرض إلا ما يجري بثه فيه، ولا يتحول من قناة إلى أخرى إلا عبر جهاز تحكم بيد الآخرين؛ فالحكومة ورئيسها جنازة حية تحمل نفسها، وشجرة متهالكة خارت قواها عن حمل بقية أذرعها، وبالمجمل لا تعلم أين تذهب أو أين سيكون قرار دفنها.

وراء هذه المأساة المظلمة تأتي الإمارات من جهة أخرى لتأكل ما بقي وتقضي على آخر أنفاس للشرعية – إن كانت لديها أنفاس – وتعبث بالحياة اليمنية كطفل هاوٍ دخل لأول مرة حديقة غناء، فكسر وهدم كل ما طالته يده وما لم تطل أيضًا.

سقطرى وما بها، وحضرموت، والنخبة الحضرمية، والنخبة الشبوانية، وعدن، والحزام الأمني،  والانقلاب الحادث مؤخرًا في العاصمة، والمليشيات التي تظهر كل يوم، وكل ما يحدث وسيحدث مستقبلًا، أفعال طائشة وغوغائية ندبت الإمارات نفسها لتكون هي المحور الرئيسي والمحرك الفاعل لها، والداعم والمسبب، والناهي والآمر.

تسعى الإمارات جاهدة لتقويض شرعية هادي بكل ما أوتيت من قوة، وتعمل جاهدة على استنزاف خيرات اليمن، بدءًا من سقطرى والنعم الموجودة بها، وانتهاء بميناء عدن وعدن نفسها، وما المجلس الانتقالي إلا وسيلة عمياء استطاعت الإمارات من خلاله تحقيق أبرز أهدافها في عدن، وقتل خاصرة الوطن المتبقية.

دعمت الإمارات المجلس الانتقالي بكل العتاد والعدة، والتي من خلاله تم القضاء على العاصمة وإسقاطها، وصنع انقلاب آخر على هادي وحكومته، مع أن الإمارات أتت أساسًا لإنقاذ هادي وحكومته من الانقلاب الأول كما يعلم الجميع، وبعد هذه السنوات كلها تخرج الإمارات بهذا الانقلاب ولا صوت للحكومة أو لرئيسها وكأن الأمر لا يعنيهم، أو أن عدن تنتمي لبلد آخر، وهي عاصمة لوطن آخر.

عملت الإمارات جاهدةً على زراعة أذرعٍ لها في كل الوطن، مؤمنة بأن الأموال التي ستدفعها لهؤلاء ستعجلهم قيد إشارة لسبابتها قائلين «آمين» لكل مطامعها وأهدافها، ولم تتأن للحظة واحدة ردة فعل اليمنيين، اليمنيين أجمعهم سواء كانوا شرعية أم مليشيا.

لا تدرك الإمارات أن اليمني لا يملك شيئًا غير يمنيته واعتزازه بوطنه؛ فالمال والعمران والتعليم والصحة تتماهى كلها في عينيه بمجرد أن يتساوم الوطن معها، هناك في الأعماق يتجذر الاعتزاز بالوطن رغمًا عن كل الظروف التي تحيط به.

يُقدم اليمني نفسه فداء لوطنه دون أن يقدم له الوطن شيئًا فكيف إن كان هناك هدف يستحق التضيحة والفداء.

ست سنوات من العبث ببلد مزقه الفقر قبل الحرب والمرض قبل الانقلاب وهذه المقارنة ليست عبثيه فالموت موجود هنا من قبل، ولكن كان هناك ثمة بصيص أمل، ومع الحرب والانقلابات المتكررة مات هذا البصيص، وأصبحت اليمن أسوأ بلد في العالم تقوده أسوأ شريعة بين الحكومات، وتقتله أسوأ دولة في الوطن العربي، الإمارات، ولا حياة لمن تنادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

احتلال, تحرير
عرض التعليقات
تحميل المزيد