بات من الصعب علينا تصفح الصحافة العربية المكتوبة أو تتبع المسموعة منها أو المرئية، الخاصة منها والحكومية، وبمختلف لغاتها الصادرة أو المذاعة بها، وليس ذلك إلا لعجزنا فقط عن فهم محتواها، وبمحاولات منا عديد المرات الصعود إلى مستواها والارتقاء إلى ما تكتبه، فلم نفلح وتوجت جل محاولاتنا بالفشل، ولذلك وخوفًا على عقولنا البسيطة وهشاشة أعصابنا مما تكتبه لنا وتنشره فيما بيننا من غرائب وعجائب وحفاظًا على سلامة تفكيرنا وطبعنا بين الناس، اتفقنا ضمنيًا (نحن) على حلٍ ولو بصفة ظرفية وهو عدم اقتنائنا أو تتبعنا إياها إلى حينٍ، لكن إلى متى؟ وهل من بديل مغاير؟ يعوِض جميعنا على متابعة الأخبار الوطنية والعالمية. فبدون إعلام متكامل من الصعب تصور مُوَاطنة سليمة عادية.

الصحافة العربية التي هي بالضرورة ليست صحافة شعوبها، تطورت ماليًا نحو الحُكم، وانكسرت حرفيًا تجاه الشعوب. فبفضل عقد ضمني بينها وبين الحُكم، وليّ نعمتها، أضحى عليه تمويلها بمالنا نحن الشعوب وحماية توزيعها في وجه أي منافسة صحفية أجنبية (إن وُجدت) بجعلها السيدة المحتكِرة وحدها سوق الإعلام الوطني كليةً وبالتالي حرماننا نحن من إعلام وطني ودولي حر، متعدد ومتنوع وهادف، ومن جهتها هي غض طرفها عن كل أشكال استبداده وفساده ومن مهامها القدرة على العمل دون كلل أو ملل محاولة منها تفسير رأيه التافه لنا ووجهة نظره المفلسة حول مجمل القضايا التي تهمنا وكذا تبرير أفعاله الإجرامية علينا ومغازلتها إياه بمدحه عن أفضاله الكبيرة التي أغرقنا بها والتي من بينها حمايته لنا من أنفسنا.

فهي ناقلة أمينة لكل ما يصدر عنه ومدونة ممتازة لكل قول منه أو فعل وكاتبة جيدة له، متحملة بذلك وبمحض إرادتها أمام التاريخ كامل المسؤولية المعنوية بتواطؤها، ومتحملة بذلك أيضًا وهي مخَيِّرة أيضًا تبريرها لنا تناقضاته المفضوحة دون حياء أو خجل.

أسواقنا الوطنية العربية تعج بمختلف العناوين، المكتوبة والمسموعة والمرئية وباللغات العربية والفرنسية والإنجليزية وبالرغم من تشابه محتواها كليةً، تجد منها (الكبيرة) واسعة الانتشار والمتابعة و(الصغيرة) قليلة التوزيع، ومنها الوطنية والجهوية، وكل منها تدَّعي أنها حرة ومستقلة وأن عملتها الصدق والمصداقية وليس (الدينار أو الدرهم) وأنها تحترم الرأي الآخر، لكن الحقيقة لو قدر لك اقتناء بعض العناوين منها أو تتبع بعض القنوات منها مسموعة كانت أو مرئية وبمختلف اللغات من كل إصدار أو اتجاه إن شئت، لأدركت حجم البلية وشر البلية ما يضحك.

فبدون كبير عناء يذكر تلمس من خلال ما يكتب على صفحاتها أو ينشر أو يذاع على قنواتها حول مجمل القضايا الوطنية والدولية رأي الحُكْم وحده لا غير، فقط رأيه ووجهة نظره، بلا تعليق مخالف أو رأي مناقض، الفرق الوحيد بينها يكمن في أسلوب التعبير ليس إلا، وكأن الأمر لا يتعدى درسًا في الإنشاء في أحد الأقسام الابتدائية، يكتب المعلم على السبورة عنوان الموضوع ويترك مخيلة كل تلميذ تسرح حسب قريحته ورصيده وأسلوب تعبيره على أن لا يخرج أيُّ منهم عن الموضوع.

حاولت جاهدًا أن أعرف سبب العلاقة غير الطبيعية التي تربط بين صحافة جاهلة تافهة وحكم فاسد مستبد، فلم أجد غير المال سببًا، ولأن المال لا رائحة له، فلمَ لا تستفيد منه الصحافة أيضًا وتنعم به هي أيضًا – ولتذهب المصداقية إلى الجحيم. لم يعد صعبًا على أحد إيجاد تشبيه مقارب لهذه العلاقة غير الطبيعية بين شرَّين لا بد لأَحدهما منه للآخر، «بعلاقة ذكرٍ شاد يملك مالًا وأنثى لعوب تملك جسدًا» وهكذا حصل العقد بينهما لحاجة بعضهما لبعض.

وهكذا دفع كلُّ منهما لكلٍّ منهما من حق غيرهما. دفع الحكم الثمن من حقنا في مالنا إلى الصحافة لينال به من حقنا في الحقيقة ودفعت الصحافة إلى الحكم الثمن من حقنا في الحقيقة لتنال به من حقنا في مالنا، وبذلك خسرنا نحن الشعوب حقنا في مالنا وحقنا في الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد