يعتبر مفهوم الحرية من أكثر المفردات اللغوية جمالية ووجدانية، لذا استحقت اتخاذها شعارًا للحركات الثورية وقوى التحرر والأحزاب السياسية والعديد من الدول ومنظمات حقوق الإنسان في العالم، بوصفها قيمة إنسانية سامية، غير أنها من بين أكثر المصطلحات اللغوية والفلسفية إشكالية؛ فقد تعددت التعريفات الفلسفية التي أعطيت لها. وتعني الحرية حسب الفيلسوف هوبز التغلب على العوائق الخارجية المتمثلة في العادات والقوانين الاجتماعية، و التغلب على العوائق الداخلية المتمثلة في الأهواء والعواطف والحرية على العموم هي القدرة على القيام بالفعل أو الامتناع عنه. وعليه اختلف وتناقض الفلاسفة حول الحرية، فهناك من يثبتها ويرى بأن الإنسان حر حرية مطلقة، وهناك من ينفيها ويرى بأن الإنسان مقيد غير حر.

ذهب أنصار الجبر من فلاسفة و علماء إلى أن الإنسان مسير وليس حرًا ومعنى ذلك أن السلوك الإنساني يسير في دائرة الحتمية فهو يفتقد إلى عنصر الإرادة و قدرة الاختيار والسبب في ذلك أن وجود الحتمية يلغي بالضرورة وجود الحرية فأنصار النفي وعلى رأسهم الحتميون (واطسون، ماندل، مورغان، فرويد) والجبرية من أنصارها الجهمية يرون أن الحرية المطلقة أمر مستحيل التحقيق.

وقد برروا موقفهم بالحجج التالية: إذ يرى الحتميون أن مبدأ الحتمية قانون عام يحكم العالم ولا يقتصر على الظاهرة الطبيعية فقط، بل أيضا على الإرادة الإنسانية ولذلك تكون إرادتنا تابعة لنظام الكون لا حول لها ولا قوة. أما الحتميات التي يخضع لها الإنسان متعددة فالحتمية الطبيعية أو الفيزيائية، حيث إن الإنسان يسري عليه من نظام القوانين ما يسري على بقية الأجسام والموجودات فهو يخضع لقانون الجاذبية ويتأثر بالعوامل الطبيعية من حر وبرد وضغط جوي وضوء مثال ذلك أنه كلما نقص الضوء زادت بؤرة القرنية لتستقبل الضوء وهي هنا لا تختلف عن آلة التصوير فهي تعمل بشكل آلي.

أما الحتمية البيولوجية فتتمثل في كون أن الانسان يخضع لشبكة من القوانين مثل النمو وانتظام الأعضاء واختلالها وكذا كل إنسان على وجه الأرض يمر بنفس المراحل التي يمر بها باقي الناس و المتمثلة في الجنين، الطفولة، الشباب، الكهولة، الشيخوخة، ثم الموت، والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز مرحلة من هذه المراحل فهو مقيد و مجبر بأن يمر على كامل المراحل، دون استثناء وهذا ما يجعل النساء على الخصوص ونجمات السينما يحاولن عبثا الهروب من تقدم السن بإجراء العمليات التجميلية، لكنهن مهما حاولن، فلن يستطعن محو تقدم. إضافة إلى أن كل واحد عند الولادة يكون حاملًا لمعطيات وراثية – الكرموزومات – فقد أثبت ماندل ومورغان بعده كيفية انتقال الصفات الوراثية من جيل إلى آخر وفق قوانين صارمة.

كما أثبت الروسي بافلوف أن السلوك الإنساني هو سلوك آلي حيث إذا توفرت المنبهات تحدث حتما الاستجابة و هي فكرة وافق عليها الأمريكي واطسون وتؤثر الغدد الصماء على كامل الشخصية حتى أن وليام جيمس قال (نحن تحت رحمة غددنا الصماء فهي المسؤولة عن عواطف المرأة والشابة وانفعالات الشيخ الكبير) وهناك أيضًا الحتمية الاجتماعية التي يمثلها علماء الاجتماع وأهمهم دور كايم الذي يقول: حينما يتكلم ضميرنا فان المجتمع هو الذي يتكلم فينا. ومعنى ذلك أن الأحكام التي يطلقها الإنسان صدى لثقافة المجتمع. فهو لم يختر اسمه ولا أسرته أو لغته؛ فنحن نحب ما يحبه المجتمع ونكره ما يكرهه وإن خالفنا عادات المجتمع نعاقب، مثال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرغم مكانته العظيمة في التاريخ الإسلامي، إلا أنه في العصر الجاهلي لم يستطع أن يتجنب مآثم وذنوب قومه من عبادة الأصنام ووأد البنات.

وأيضًا الحتمية النفسية إذ يخضع المرء حسب فرويد لعالم نفسي لا شعوري من رغبات وشهوات ومكبوتات. مثال ذلك أن العنف في الملاعب يرجع إلى غريزة العدوان التي تدفع الفرد إلى التحطيم والتكسير والكتابة على الجدران، ويرى آدلر أن الشعور بالنقص هو محرك نشاط الإنسان؛ مما يجعل الفرد في حالة بحث دائم عن التعويض، مثال ذلك أن الفتاة القصيرة تجد نفسها من دون أن تشعر ترتدي الكعب العالي أو تكثر من وضع الماكياج حتى تعوض قصر قامتها. و الشاب الضعيف جسديًا قد يلجا إلى التفوق في الدراسة حتى يعوض ضعفه الجسدي. و مثال ذلك أيضًا أن اللاعب الأرجنتيني ميسي كان يعاني من مشكلة صحية في الهرمونات فصار لاعبًا فذا كتعويض عن ذلك، بالإضافة إلى ذلك الطبع ينفي الحرية فصاحب الطبع الانفعالي يغلب عليه المزاج العصبي.

من الناحية العقدية كذلك فحتى أخيارك للإلحاد إنما هو تبني لفكرة معادية للدين.

من وجهة نظري أن الحرية هي من أكبر المغالطات المسوقة إعلاميًا، ومن الأوهام التي بيعت للناس ووقع في هذا الشرك من هم برتب علمية واجتماعية مرموقة، صحيح أن الخطوط الداخلية للخيارات فيها نوع من الحرية كاختيار بين الإسلام أو الهندوسية، لكن في نهاية المطاف ستتخذ موقفًا من الدين إما مؤيدًا وإما معارضًا (نعود للإلحاد كمثال).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد