النسبية كحقيقة مطلقة

مقدمة منطقية

يصدر معنى الحرية ومشتقاته كالتحرر، وتطبيقاته كالليبرالية، وأنواعه كحرية الرأي وحرية التعبير «والخلط شديد بين الاثنين»، وحرية المرأة «وهذا يعني تحررها من أنوثتها وملابسها أيضًا؛ لأننا نتعامل مع عقلها! أي والله!»، وحريات أخرى لكل شيء، سواءً كان لها معنى أم لا، كانت منها فائدة أم لا، وحتى لا ننساق وراء زخرف القول ولئلائه، ولا يخدعنا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى، يجب علينا الإلمام ببعض الأمور.

الحرية فضاء واسع لا حدود له، بل الحدود مرفوض وجودها، تحرر في تعريف الحرية وتحرر في تحديدها! والله إن لساني ليتعثر عند نطق هذه الكلمات؛ لكن هذا هو الواقع الدميم وراء حُجُب الألفاظ البراقة.

ربما يعرف البعض، وعلى البعض الآخر أن يعرف، أن «س» لا يمكن إثباته بـ«ص» إذا كان «ص» مثبتًا أساسًا بـ«س»! ولا يمكن كذلك أن يثبت «س» بنفسه! فمثلًا لا يمكن إثبات العلوم النظرية بأخرى نظرية، بل يجب الاستناد في النهاية إلى علم ضروري فطري، كـ«الجزء أصغر من الكل» و«لكل سبب مسبب، أو ما يعرف بالسببية»، فالنسبيات لا تثبت بنسبيات بل بمطلقات، وكل علم غير ضروري يجب أن ينتهي إلى علم ضروري.

على ما سبق، لا يمكن أن تحدد الحرية «النسبية» بالعقل البشري «النسبي»، فالحرية مفهوم أو فعل نسبي غير محدد يجب استناده إلى أصل مطلق محدد، وإلا ينتفي المعنى ويستحيل إلى مجرد حروف متلاصقة لا تحمل في داخلها معنى إلا تناقضًا أو عبثًا أو استحالة أو عدمًا.

ومن الأمثلة المشابهة: مبدأ الشك: أن تشك في كل شيء، فكل شيء محل شك لكل ذي عقل، ولا يقين دون شك، وما إلى ذلك من زخرف القول ولحنه؛ وبالفعل لا يحمل مبدأ الشك في نفسه إلا تناقضًا، إذ إن مبدأ الشك يقودنا بالضرورة إلى الشك في المبدأ نفسه! وإذا كنت شاكًا في المبدأ، فلماذا أعتقد صحته وأسعى في تطبيقه؟! وهكذا يحمل المبدأ في نفسه عدمه، ويهدم نفسه بنفسه.
ومثال آخر: مبدأ النسبية، أنه لا يوجد حقائق مطلقة، فهكذا مبدأ يحمل التناقض في ذاته ويهدم نفسه بنفسه هو الآخر، فإطلاق النسبية، وإنكار أي حقيقة مطلقة يضعنا أمام مبدأ جديد، وهو «النسبية المطلقة»! وها قد تعثر لساني مجددًا في محاولة نطقها! نسبية لكنها مطلقة! لا شيء، لكنه شيء! وهكذا يحمل المبدأ في نفسه عدمه، وجنت على أهلها براكش، وبراكش كلبة على كل حال.

ومما سبق نعود إلى الحرية المزعومة، فلا يمكن اعتماد مبدأ الحرية على حرية أخرى في التعريف والتفكير، ولا يمكن ارتكازها على غير محدود متغير نسبي كالعقل البشري.
وإذا لم يتضح المعنى كاملًا بعد، فالآن يكون: لنفترض أنك تصرفت تصرفًا أو فعلت فعلًا من منطلق أنك حر، وتدافع عنه بأنها حريتك وأنت حر، وقمت أنا بإنكار هذا التصرف أو الفعل من منطلق حريتي أيضًا، ومنعك آخر من معاودة التصرف أو الفعل أو عاقبك عليه من منطلق حريته هو الآخر، فالآن أصبح لدينا أمر تساوى فيه الحق والباطل والصواب والخطأ، وكل زوج استويا استنادًا على مبدأ واحد هو الحرية! فكلاهما حرية: التصرف ومنعه أو إنكاره، فالأمران صواب وخطأ في اللحظة نفسها، وليس لأحد يد تعلو الأخرى تحت لواء الحرية.

أصبح الحق نسبيًّا، أصبح الحق متناقضًا، وكله حق! نقع في هذه الأزمة نتيجة ارتكازنا على أصل نسبي، وهو العقل البشري أو النفس البشرية، ومن المعلوم أن الأفهام تتفاوت بين البشر، ولا يشترك اثنان في درجة الفهم نفسها والتفكير والعقل، وعليه فلدينا آلاف آلاف الآلاف من تعريفات الحق في كل مسألة إن كان المعيار الوحيد هو العقل البشري، ومن هذه الأزمة لا طريق نسلكه إلا يوجهنا إلى وجهة واحدة: ضرورة وجود أصل مطلق لتعريف الحرية وتشريع الحريات، وهذا الأصل هو الله سبحانه وتعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد