خمس دقائق وحسب في شرق المتوسط، كلمات كفيلة لتسافر بك لسنوات طويلة لا تعلم منتهاها، تقضيها في قوقعة ذات عتمة باهرة إن تكرمت عليك الأقدار رافقك صاحبا سجن تتقاسم معهما الرغيف العفن ورقصات الألم على أنغام الجنازير ومسبات الذل والتخوين.

شرق المتوسط أول رواية عربية صنفت في خانة أدب السجون، حيث تطرق الروائي عبد الرحمن منيف إلى الاعتقال السياسي وما يليه من ممارسات شنيعة دون التطرق لبلد بعينه، تتجرد الرواية من المكان والزمان لكن أي عربي يقرأ الرواية سيستشعر فيها حريته المسلوبة، وكأن الحلم العربي الذي لم يجمعنا طول عمرنا أخذ القمع مكانه هذه المرة لنجتمع على مائدة مليئة بمختلف أصناف التعذيب ويغترف كل منا غرفة بيد حماة الديار من سكانها.

اختار الكاتب كلماته بكل قسوة لتشعر بقسوة المشهد وتغرق في عمق السراديب المظلمة، ستغمرك مشاعر من الدهشة وعدم التصديق وتتساءل أيعقل وجود أمكنة كهذه؟ تحت الأرض وفوقها؟ يجيبك كتاب وكاتبات كثيرون يسردون لنا تجاربهم، يفتحون أكثر أبواب الذاكرة ألما ليحكوا لك أعتى العذابات التي للرجال نصيب منها وللنساء نصيب.

هناك حيث الموت يزورك مع كل حفلة شبح طويلة مع كل قصيدة طعن في الشرف وتخوين مع كل سيجارة تطفأ على أي جزء من جسدك كلك حِلٌّ لوحوش وشياطين على هيئة البشر.

هناك داخل المعتقل كل شيء مباح، السجان هو يملك الحرية المطلقة في التصرف في السجين، لكن لا ضمان هناك ولا حماية الجلاد وقتما تقاعس عن ممارسة حريته في التعذيب سلبت منه ويؤمر بها زميله السجان ليستبيح جسد السجان السابق من كان جلادًا هنا منذ دقائق في أية لحظة قد يتحول من وسيلة تعذيب إلى مُعذب بسبب أو بدونه.

هناك حيث لا شمس ولا سماء لا رقيب ولا إنسانية ولا ضمير سرعة استبدال الأماكن مرعبة جدًا الوقت يأخذ معنى جديدًا ليصبح وسيلة تعذيب، انتظار المجهول قاتل حيث لا حكم ومحكمة.

هذه السجون المتخفية جمعت الإسلاميين والعلمانيين، والمتعصبين والمعتدلين، والمدنيين والعسكريين، والأغنياء والفقراء، والرجال، والنساء، والشيوخ والأطفال الكل داخل دائرة الاتهام تلك ربما هي العدالة الوحيدة.

الكل هناك دون إرادة يذوق من نفس الكأس حد الثمالة أو الموت. هناك بلغت حيونة الإنسان مراحل متقدمة جدًّا، السجين المغلوب على أمره يخترع أي وشاية مهما كانت خرافية ليحظى برغيف خبز عفن يتخلص به ولو قليلًا من عذاب التجويع، والجلاد يتفنن في كل مرة أكثر من سابقتها في اقتلاع الأمل من أعماق السجين بكل ما يسبب ألما فظيعًا، كل اعتراف لا أساس له من الصحة ولا سبيل لتصديقه هو ثمن ترقية لمن ينتزعه، ليرتقي بين السفاحين والوحوش ويتجرد مما تبقى من إنسانيته إن كان لها بقية.

إلى أي مدى يمكن أن يعلو الجلاد في مراتب الحيونة يتفنن في الغوص في مستنقغات السادية بمقابل رتب أو دراهم ويتقلد مناصب في تعذيب أخيه الإنسان، وهو لم ولن يسلم من العذاب لكنه وبكامل غروره يسلم نفسه كلبًا وفيًا لصاحب خائن لكل حيواناته الأليفة والمتوحشة.

بالمقابل يملك الإنسان السجين قدرة على المقاومة والتمسك بالأمل وقوة الإيمان بالقضية والفكر كيف حافظ هؤلاء على مساحة من الحرية في أكثر أماكن الأرض قمعًا ووحشية؟ ذلك المتنفس الوحيد لتحطيم جدران الزنزانة والهروب إلى الله إلى القرآن إلى الشعر إلى الذكريات، ولو كان التذكر مؤلمًا فهو يشحن الإنسان بالأمل، كسر قيد السجان في كل مرة مع العلم أنه سيعيد التقييد والإحساس بلذة الانتصار مع كل متسع أمل تتركه لنفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد