الرأسمالية.. وقود الحرية والإعلام

لربما يتساءل شخص يسكن في وطن، وليس بمواطن، ويُطالَبُ أن يكون وطنيًّا، لماذا لا توجد حرية تعبير في أوطاننا؟

لماذا لا يوجد تداول سلمي للسلطة؟

ومن هنا، فإن المسافات تُقاس بالكيلومتر، والسوائل باللتر والزلزال بالريختر، وأيضا تُقاس الحرية بمدى انتقاد الصحافة للحاكم وحزبه وسياساته، فإن كانت تمدحه في النهار وتلعنه في الليل، فذلك يعني أن المقياس لا يعمل ويجب أن نستعير مقياس جيراننا.

الصحافة في جملتها هي سلعة رأسمالية، كالقومية، والآيفون وأيضًا كالرمّان، إن أخرجته من خريف متقلب إلى شتاء قارس، فلن ينمو وستنام بلا رمّان.

في الغرب، الصحافة سلعة رأسمالية تقوم على مبدأ العرض والطلب، فتسوّق الأخبار بناء على ما يُفضّله المواطن، وإلا فلن يشتري الجريدة، فإذا أراد فضيحة، نعطيه فضيحة «واترجيت»، وإذا أراد التأكد من الميزانية العامة، ننشر له صورة لتوني بلير يشتري آلة قهوة ويثبت شراءها بوصل من المحل.

إضافةً، فالصحافة تحترق بوقود رأس المال لكي تندفع إلى الأمام، فكل وكالات الصحافة تعمل بتحصّلها على دعم من ممولين لمشروعاتها الإعلامية، من هنا يصبح ترويج منتجات داعمي هذه الوكالات شيئًا حتميًّا، مع بعض بهارات علم النفس في توجيه المستهلك فاقد السعادة مدمن الاستهلاك، إلى منتجات هو في الغالب ليس بحاجة إليها، فإذا حاولت السلطة التدخل في هذه الموازنة الرأسمالية، يحمي رأس المال هذه الموازنة فورًا، فتحت شرع رأس المال، كل ما هو مُربح مشروع، بغض النظر عن نوعيته.

ولا تنس أيّها اللامُواطن خلف مضيق جبل طارق، المُشبّع بشوفينية القبيلة، أن حرية التعبير في الغرب تحميها أجهزة قضائية، تحت شرع رأسمالي يخضع لرغبات الزبون، وبذلك أعطيت الصحافة صوتًا مسموعًا مدعومًا برأسمال قادر على فضح المخالفات والفساد، فهذه أمور تزيد من مبيعات الجرائد ومشاهدات اليوتيوب، وتزيد من أرباح الشركات التي تسوّق لمنتجاتها في هذا الإعلام، وتحت هذه المظلة، الكل يعمل والكل يمر.

تملك 22 دولة عديمة رأس المال صحافة غير رأسمالية، ولا يحميها جهاز قضائي، ولكن يحتويها «وطن عربي واحد ويوتوبيا واحدة» في أوطان متبعثرة، تدّعي الديمقراطية نهارًا، وتنشئ تحالفات عسكرية-دينية في الليل؛ فهي ديمقراطية مجمّدة في ثلاجة القرن السابع الميلادي.

مؤخرًا، تكفلت حركة الترجمة بنقل مصطلحات للقاموس، كمصطلح الديمقراطية، وهي مهمة يستطيع مترجم مبتدئ أن ينجزها، ولكن ما لم تترجمه حركة الترجمة هو ترجمة الواقع نفسه، الواقع الذي تعيش فيه هذه المصطلحات، غربًا، تعيش الديمقراطية بين أحضان رأس المال وصراع الأحزاب الناعم، صراع مقيد سلفًا ببنود دستور، وليس على هوى الحاكم الفرد، من هنا، نرى أننا لا نملك الواقع الغربي، ولا نملك رأسماله. ولكن نملك مصطلحاته في قاموس لا يتقمّس واقعه أحد، ودستور ثري بالقوانين في واقع ثري بالفقراء في واقع مزدحم بالجهل.

هنا يتضح أن الديمقراطية صيغة أوروبية لا تنجح إلا في بيئتها، ولا نستطيع استيراداها كسلعة، النظم والقوانين لا تُصدّر كما قال فقيه القانون الفرنسي بارون دي منوتيسكيو، ولكن مرة أخرى، يبدو أن الإعلام في الغرب وصل إلى درجة عالية في الترويج لمنتج الديمقراطية، إذ صدّق سكان الدول الواقعة خلف مضيق جبل طارق أنها تتناسب مع معطيات أوطانهم، صدّقوا أنها يمكن تفصيلها على مجتماتهم، وأعرافهم، وعاداتهم.

الإعلام الحر والديمقراطية ورأس المال، كل هذه أشياء أخذها الغربيون من ثروات المحيط وآلاف الجزر العذراء، وهم يحصدون جهود وعرق أجدادهم، يحصدون واقعًا مربوطًا برأس المال، واقعًا تجرّده شعوب العالم الثالث من كل واقع، وتفترضه نصوصًا في دستور، ظنًّا أن الدستور يغيّر الواقع، ولكن الحبر والورق لا يغيّران فكرًا غير رأسمالي من أساسه، وبالتالي يتجمد الواقع في هذه البلدان بتجمد أفكار شعوبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد