لماذا نجد في كل مكان إعلانات “ساهموا في بناء مسجد” ولم نجد يومًا إعلانًا واحدًا من قبيل “ساهموا في بناء مكتبة عمومية”؟ ماذا لو كانت هناك مكتبات مفتوحة كل يوم كما هناك أكثر من مسجد في كلّ حيّ؟ ألم يكن أول ما نزل من القرآن كلمة “اقرأ”؟ و ما فائدة كثرة المساجد التي تعجّ بالمصلين في ليالي رمضان فقط وتخلو في ما دونه؟

 

كل هذه أسئلة مشروعة تفرضها قوّة الواقع الذي يبدو أن من أولوياته تجميل المظاهر على حساب السّرائر.

 

ورغم أن هذه كلها قد تبدو مظاهر عادية جدًّا لأننا ألفناها وعشنا وسطها حتى أصبحت جزءًا مقدّسًا من واقعنا المشترك، وعادة ما يتم إدراج أي تساؤل حولها في خانة المحظور، إلا أنها بحاجة للبحث الجدّي والمعمق إذا كان الهدف بالفعل هو الإصلاح، وليس التمادي في إفساد ما بقي من هذه الأمّة.

 

على الأقل بناء مكتبة في الحيّ سيكون فرصة للكثير من الفضوليين لاكتشاف عالم جديد وغير اعتيادي بالنسبة لبيئة يكبر أطفالها وسط أزقة وشوارع، وكلّ أبنائها لا يعرفون سوى الرّكض، وستكون أيضًا حجّة عليهم في المستقبل حين يبدأ بعض المثقفين في توجيه أصابع الاتهام للمجتمع الذي يبدو لهم متخلفًا وجاهلاً.

 

أن تكبر في حيّ به مكتبة عمومية مفتوحة دائمًا للعابرين وللمقيمين وفي النهاية تصبح جزءًا من عصابات تنهب الوطن أو تصبح كائنًا لا يضيف وجوده للوطن أية قيمة هي ظاهرة تستحق كلّ الدراسة في نهاية المطاف.

 

ليست المشكلة في كثرة المساجد، ولكنها في سوء الفهم الديني عمومًا، إن المشكلة الرئيسة نتاج لكل هذه المظاهر السطحية، لأن العبادة ليست مجرد طقوس استعراضية، وليست مجرد أداء لواجبات معينة، بل هي أسلوب حياة أيضًا، نمط تفكير وأخلاقيات تشمل التعامل مع الآخر بنفس المقدار التي تشمل به التعامل مع الله.

لكننا حصرنا كلّ شيء في التعامل مع الله، ونسينا أنه أوصانا بحسن التعامل مع العباد، حصرنا كل شيء في الصلاة وأهملنا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

 

إذا كان الشباب اليوم يفتح التلفاز ليجد البرامج التي لا تفيد في رفع مستواه الثقافي ولا تحرر العقل، بل تزيده بلادة واستحمارًا، فلماذا سنعيب غدًا عليه سوء اختياراته السياسية وانعدام ذوقه الفكري والثقافي؟

وإذا كنا لا نوفر وسطًا ثقافيًّا وإعلاميًّا راقيًا للأجيال الصاعدة، فكيف نسمح لأنفسنا بلعب أدوار الوعّاظ ونقوم بجلد جيل بأكمله؟

تنقصنا قوة الاعتراف بأخطائنا قبل الحديث عن تصحيحها، والجرأة على معالجة المشاكل الحسّاسة بشفافية، لأن خيار الهروب لم يعد صالحًا، ولأن البناء الذي يبنى على أساس مهترئ سيسقط يومًا ما، وإن كان الأساس المهترئ لعمارات الدار البيضاء قد أدّى لفقدان أرواح معدودة، فإن كارثة الأساس المهترئ للمجتمع كلّه ستؤدي لخسائر مجرد التفكير فيها بداية لرواية تراجيدية مؤلمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد