مضت أربع سنوات منذ الإنتفاضة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي وكان من المتوقع أن تكون الحالة الليبية مشابهة لجارتها التونسية من حيث القيام بخطوات محددة وواضحة المعالم في طريق إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وصياغة دستور دائم للبلاد يحدد نظام الحكم وينظم العلاقة بين الشعب والمؤسسات الحاكمة في البلاد , حيث كان من المتوقع أن لا تستغرق عملية صياغة الدستور عامين كحد أقصى مثل ما حدث في تونس ومصر , ولكن يبدو أن رياح التغيير في ليبيا أتت بما لا تشتهي السفن , فكانت المحصلة كالآتي :

1 – بلاد تعيش في فوضى عارمة بلا دستور ينظم العلاقة بين الشعب والنخبة الحاكمة وبالتالي غرقت البلاد في حالة من الفوضى السياسية والأمنية ثم الإقتصادية بسبب تعطل انتاج أكثر من ثلثي الحقول النفطية , علما بأن عملية صياغة الدستور كانت من مهام المؤتمر الوطني السابق المنتهية ولايته , ويتحمل المسئولية التاريخية أمام الشعب الليبي في عدم وفائه بهذا الإلتزام , بل وزيادة على ذلك ماطل وأجل وصرف جهده لأشياء أقل أهمية بكثير من صياغة الدستور وشغل نفسه بإنشاء ميليشيات الدروع وهدر الميزانية العامة للدولة .

2 – أن ليبيا من الناحية العملية أصبحت دولتين فهناك برلمانين ( طرابلس وطبرق ) + حكومتين ( طرابلس والبيضاء ) + جيشين ( كرامة وفجر ) بالإضافة إلى تهديد حكومة طبرق بإنشاء مصرف مركزي خاص بها وكذلك مؤسسة وطنية للنفط خاصة بها , والخلاصة أنه لم يبق ما يوحد ليبيا في العام 2015 سوى العملة والعلم والنشيد الوطني .

3 – تمدد داعش وسيطرته شبه الكاملة على مدينة سرت ومطارها العسكري وعزمه التوسع جنوبا للإستيلاء على حقول نفطية في منطقة الجفرة , علما أنه في حال استمراره تمدده وتمكنه من السيطرة على حقول نفطية فمن المؤكد أن يقوم هو أيضا بإعلان إمارة إسلامية وسط ليبيا ( على غرار الموصل في العراق والرقة في سوريا ) وإذا كان الحال كذلك فإننا سنتحول إلى سيناريو تقسيم ليبيا إلى ثلاث دول وليس فقط دولتين .

4 – ما أعلنه مؤخرا مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون من أن البلاد تعيش على شفا انهيار اقتصادي تام , فهناك قطاعات واسعة من الموظفين لم تتقاضى رواتبها منذ أكثر من 10 أشهر بسبب مشاكل في الميزانية وتراجع صادرات النفط واعتراف المصرف المركزي بحكومة طرابلس رغم إقراره بند الرواتب لكلا الحكومتين .

5 – حدود الدولة البرية والبحرية تعتبر مفتوحة وشبه مستباحة , فلا توجد قوات نظامية تفصل الحدود الليبية المصرية , فمن يقف على المنفذ الحدودي إما ميليشيات خارجة عن سلطة الدولة أو مدنيين من أهالي المناطق الحدودية ونفس الشيء ينطبق على حدود ليبيا مع تشاد والنيجر و إلى حد ما الجزائر أيضا .

سبل الخروج من الأزمة : شقين : ( سياسي – أمني )

أولا : الشق السياسي :

بناء على ما تم التوصل إليه مؤخرا في الحوار( الليبي _ الليبي) بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني المنتهية ولايته في منتجع الصخيرات المغربي فقد نصت المسودة الربعة من الحوار على إنشاء مجلس أعلى يتكون من أعضاء المؤتمر الوطني ويكون بمثابة غرفة ثانية لمجلس النواب مع منحه بعض الصلاحيات كالمشاركة في منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية المرتقبة , وتكمن المشكلة في اتخاذ مجلس النواب موقفا متشددا بخصوص منح تلك الصلاحية للمجلس الأعلى وهو عبارة عن مطلب تعجيزي يطلبه مجلس النواب , لأنه بصريح العبارة لا توجد فائدة حقيقية لمجلس أعلى دون امتلاك أي صلاحية لأنه والحال كذلك يكون هو والعدم سواء , والخلاصة أن تشدد وفد مجلس النواب إزاء هذه الجزئية من حوار الصخيرات سيؤدي إلى انهيار ونسف جهود التسوية للإعلان عن حكومة الوحدة الوطنية المرتقبة , وستكون الحصيلة وبالا على مجلس النواب نفسه , وسيبقى وضع البلد على ما هو عليه من التقسيم والتجزئة بين شطر البلاد الغربي وشرقها بل ربما أسوأ هذا بالإضافة لإتاحة الفرصة أمام تمدد تنظيم داعش واستيلائه على حقول نفطية .

ثانيا : الشق الأمني :

الدعوة لجلسة حوار بين قوات عملية الكرامة وقوات عملية فجر ليبيا وليكن محل انعقاد هذه الجلسة بالجزائر لأنها تتمتع بعلاقات طيبة مع كلا الطرفين ويمكن للطرفان الإتفاق على تأسيس مجلس عسكري أعلى للجيش الليبي بحيث يضم ذلك المجلس قيادات من عملية الكرامة وقيادات من عملية فجر ليبيا ثم يقوم ذلك المجلس باختيار قائد عام للجيش الليبي يتم التوافق عليه بين الطرفين ثم يقوم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بتكليف تلك الشخصية التي تم التوافق عليها بمهام القائد العام للجيش الليبي . ملاحظة : ( تم مناقشة البند الخاص بالجيش الليبي وادماج عناصر قوات فجر ليبيا فيه في المسودة الثالثة لحوار الصخيرات بالمغرب ) .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد