لا يخفى على أحد منذ اندلاع ثورات الربيع العربي أن دول الخليج ظهرت كلاعب أساسي على الساحة، فراهنت قطر على الإسلاميين في تونس ومصر وليبيا، ووقفت السعودية والإمارات مع الثورات المضادة كما لاحظنا في مصر وباقي دول الربيع العربي.

 

ما يحدث في ليبيا الآن هو ثورة مضادة مكتملة الأركان، صراع بين الثوار وبقايا النظام السابق مندمجين تحت غطاء بعض الشخصيات والكتائب “كالقعقاع والصواعق” اللتين كانتا مع الثورة من قبل.

 

و تكرر هذا المشهد في انقلاب 30 يونيو في مصر عندما كان الفلول وثوار 25 يناير جنبًا إلى جنب في ميدان التحرير يطالبان بالإطاحة بحكم الإخوان والعودة لحكم العسكر مرة أخرى.

 

بعد نجاح الثورة المضادة في مصر بدأ الخليج يتجه إلى ليبيا في بداية الأمر، وتم تفعيل سلسلة من الأزمات كما حدث في مصر بنفس الترتيب تقريبًا، نقص حاد في البنزين، وهجوم بعض المسلحين على المحطات، وتخريب المضخات التي تقوم بتوليد الكهرباء، وانقطاع دائم في التيار الكهربائي بدون أسباب، ثم دعوات لإسقاط المؤتمر الوطني الحاكم في ليبيا، وعدم التجديد له، وظهور فيديو على قناه العربية – فقط- للعقيد المتقاعد حفتر يعلن انقلابه على المؤتمر الوطني.

 

لم يتفاعل المواطن كثيرًا مع تلك الأحداث، فكان الخيار الثاني، وهو الحل العسكري؛ فليبيا دولة قبلية تسيطر عليها العادات والتقاليد والجو القبلي؛ لذلك فهي مهيأة بشكل كبير لسيطرة التيار الإسلامي؛ لأن ليبيا لا يوجد بها علمانيون أو ليبراليون، اللهم إلا بعض النخب التي عاشت في الغرب، وظهرت فقط بعد الثورة على الشاشات، وليس على الأرض.

 

وبالتالي فإن ظهور تيار إسلامي يحكم بلد نفطية غنية كليبيا، وتوفير كافة سبل النجاح له ربما يشكل دعمًا لحالات إسلامية مجاورة، وهو ما يشكل تهديدًا واضحًا للإمارات والسعودية، وكذلك لا يوجد في ليبيا أقليات دينية ونزعات اضطهادية فلا تستطيع اللعب على هذا الوتر، وكذلك لا يوجد بها جيش قوي يسيطر على السلطة، فالقوة العسكرية موزعة على الجميع، والإسلاميون هم الجزء الأكبر، فكان الخيار الفعال هو الحل العسكري.

 

أعلن العقيد المتقاعد حفتر عن عملية الكرامة والحرب على الإرهاب، وبدأ عملياته في بني غازي، ثم بدأ الإعلام يصور الرجل على أنه الزعيم الجديد لليبيا ومخلصها، مع تأييد جميع أبناء النظام السابق للعملية بدأ الانقسام يظهر في الشارع الليبي، وظهور أصوات تنادي بعدم اللجوء للسلاح لتوافره بكثرة بين أفراد الشعب العادي، مما سيؤدي إلى حرب أهلية، وهي على وشك الحدوث.

 

انحصار الأحداث في بني غازي لم يوثر على العاصمة طرابلس، ولم توقف أحوال البلاد ككل، فظهر حفتر مره أخرى في بيان صحفي يعلن تجميد المؤتمر الوطني والقبض على أعضائه، وبعد انتهاء حفتر من كلمته توجهت مجموعة مسلحة من كتائب القعقاع والصواعق للهجوم على مقر المؤتمر، ثم ظهر بعدها فيديو مسجل لأشخاص ينتمون لنفس الكتائب تمهل المؤتمر 5 ساعات للتنحي.

 

كان رد المؤتمر هو إعلان موعد انتخابات البرلمان لتسليم السلطة وتشكيل أعضاء لجنة صياغة الدستور. زاد الانقسام في الشارع بين مؤيد لحفتر وبين معارض لاعتباره منقلبًا على الشرعية، وبدأ ظهور شخصيات عسكرية وشخصيات عامة تنشق لتؤيد عملية حفتر، مع تأييد خليجي ومصري لحفتر وكتائب القعقاع والصواعق المنتمية لقبيلة الزنتان التي تسيطر بشكل كامل على العاصمة طرابلس، وتسيطر على المطار وتنتشر معسكراتها في العاصمة، و قد جاءت هذه السيطرة بعد المطالبة بخروج جميع الكتائب المسلحة من العاصمة.

 

وافقت “الدروع” التي تنتمي لمصراته واتجهت للجنوب في سبها على الحدود لمساندة ثوار سبها في حربهم على الحدود مع بعض من بقايا النظام السابق، ثم ظهور خدعة لخروج كتائب القعقاع والصواعق من العاصمة من معسكر 7 أبريل وباقي المعسكرات، و اتجاههم للحدود، ولكن ذلك في الواقع لم يحدث، فقد كان ذلك كان مجرد عرض عسكري فقط أمام الكاميرات، ولم يخرج أحد منهم من العاصمة وأحكموا السيطرة عليها.

 

وتضم هذه الكتائب في صفوفها بعض أفراد النظام السابق، مثل كتائب خميس واللواء 32 معزز، و منذ سيطرة هذه الكتائب على العاصمة غاب الأمن غيابًا تامًا، وظهرت بكثرة سرقة السيارات والسطو على المحلات وخطف الأشخاص، وكان من بين المشاركين في هذه العمليات بعض ممن ينتمي لهذه الكتائب.

 

ومع بداية عملية الكرامة في بني غازي، وانتقالها لبدء عملياتها العسكرية في طرابلس وتهميش دور الثوار واعتبارهم مليشيات مسلحة إرهابية تنتمي للإخوان أو للقاعدة، إلى جانب ذلك بدأت عملية فجر ليبيا التي تستهدف إعادة هيبة الدولة الليبية باستعادة كل مرافقها ومؤسساتها الحيوية إلى حاضتنها من مطارات، موانئ، حقول ومعسكرات، ويقود العملية كتائب الدروع، ثم انضم لها باقي الثوار، وأبرزهم جنزور وغريان، ونزول مظاهرات حاشدة لدعم العملية في ميدان الشهداء.

 

ومع إعلان نتائج البرلمان وانعقاده في مدينة طبرق التي يسيطر عليها حفتر ويقود عملياته منها، وهي مخالفة للدستور الذي ينص على انعقاد الجلسات في بني غازي، ثم مطالبة البرلمان بالتدخل الدولي، وهو ما طالب به حفتر من قبل بعض الدول مثل مصر والجزائر لمساندته في حربه ضد الإرهاب كما يدعي.

 

أصبحت العاصمة مدينة أشباح لا صوت فيها سوى صوت الرصاص والصواريخ الجراد العشوائية، وفشل دور الخليج ووكلائها في السيطرة على الثورة المضادة في ليبيا، أو كما يقول الشارع الليبي (الإمارات والسعودية بتحارب قطر في طرابلس).

 

الأحداث في ليبيا تتصاعد تصاعدًا دراميًّا، ووفق مخطط يتم تنفيذه بدقة، ومع هذا شابه بعض التخبط الواضح جدًّا، سواء على الساحة الداخلية في ليبيا أو من خلال الساحة العالمية، فهل تنتهي المعركة بحسم الثوار وإجهاض الثورة المضادة؟ أم يحدث العكس، فتنجح الثورة المضادة بقيادة حفتر صاحب المساندة الخليجية المصرية؟ وتصبح ثورة أخرى جديدة تضاف لسجل ثورات الربيع العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد