مواجهات الجنوب الليبي الآن بين قوات تابعة لحكومة الوفاق الليبية المدعومة دوليًّا، وبين قوات تابعة للمشير خليفة حفتر، تزيد المشهد الليبي ضبابية سياسيًّا وعسكريًّا، في وقت تتحرك عدة قوى دولية وإقليمية من أجل تحقيق حل سياسي بعيدًا عن فوهات البنادق، سواء بتقديم مبادرات أو ضغوطات على أطراف النزاع الحقيقي.

ومواجهات الجنوب قد تكون فرضت على الطرفين، لكن يمكن أن تكون هناك نقطة رجوع لكليهما، وترك أهالي الجنوب لتقرير مصيرهم بأنفسهم، وإن كان هذا الطرح يقابل بالرفض؛ لأن الحكومة الليبية الشرعية تود بسط سيطرتها على كافة المناطق، وتحقيق الاستقرار فيها، والتي ترى أن تواجد قوات تابعة لحفتر هو خرق للشرعية كون الأخير لا يعترف بالحكومة أو قواتها، ويعتبر نفسه قائدًا عامًا للجيش الليبي، غير الموجود أصلًا.

وفي معسكر الجنرال الليبي، ينظر للمجموعات المتواجدة هناك سواء القوة الثالثة التابعة للحكومة، والتي تسيطر على قاعدة تمنهنت الجوية (30 كيلومترًا شمال مدينة سبها)، أو من يساندها من كتائب أنها «ميليشيات مسلحة» خارجة عن شرعية الجيش الذي يقوده حفتر، والذي يجب «تطهير» الجنوب منها، بحسب مصطلحاتهم وتعاملهم مع الأمر.

ومن أجل تحقيق كل طرف أهدافه وسيطرته، أطلقت القيادة العامة للجيش الذي يقوده حفتر، والمدعوم من مجلس النواب الليبي، عملية عسكرية تحت مسمى «الرمال المتحركة»، لتحرير الجنوب من الميليشيات المسلحة، وإعادة الاستقرار للجنوب الليبي، وتفعيل أجهزة الشرطة، حسب قيادي العملية.

وردت حكومة الوفاق على «رمال» حفتر المتحركة، بعملية عسكرية أسمتها «غضب الصحراء»، وقالت إنها تهدف لاستعادة السيطرة على مناطق في الجنوب الليبي تسيطر عيها قوات تابعة لحفتر، وبعد ذلك مواصلة ملاحقة مسلحي تنظيم الدولة الفارين من مدينة سرت إلى منطقة زلّة بالجنوب الليبي.

وترى الحكومة الموجودة في العاصمة طرابلس، قوات حفتر، مجموعات خارجة عن القانون، وأنها السبب في زعزعة الاستقرار، ولن تسمح لها بالتقدم أو السيطرة على أي أماكن في الجنوب، خاصة قاعدة تمنهنت، بل ستطاردها وتطردها من الأماكن المتمركزة فيها بقيادة العميد محمد بن نائل الذي يقود اللواء 12 مجحفل التابع لحفتر.

وبين غضب حكومة الوفاق، ورمال المشير المتحركة يعيش أهالي الجنوب في حالة رعب وخوف على مصيرهم، أو أن تتكرر تجارب بعض المدن التي دمرت بسبب الاشتباكات العسكرية مثل بنغازي في الشرق الليبي، وبعض المناطق في الغرب الليبي، ومنها مطار طرابلس الدولي الذي أحرق بالكامل في اشتباكات بين فصائل متناحرة.

وينقسم أهالي الجنوب بين مؤيد لحفتر وأغلبهم قبائل التبو، وبين مؤيد لحكومة الوفاق ومرحب بوجود القوة الثالثة، وبين ثالث من يريد أن يقرر الجنوب مصيره بعيدًا عن الاختناقات السياسية والعسكرية، وأن تتكون أجهزته الأمنية من ضباط وجنود أبناء الجنوب.

وللوقوف على خريطة الولاءات والمواقف لأهالي الجنوب، وتوزيع القوات المتناحرة هناك وأماكن سيطرتها، تواصلت مع أحد أبناء سبها الناشطين، والذي شرح الوضع كالتالي: «عاصمة الجنوب (سبها) تسيطر عليها قوات تتبع حكومة الوفاق الوطني، بينما تتمركز قوات اللواء 12 التابع لحفتر في بلدية براك، كما توجد كتائب مؤيدة لقوات حفتر تنتمي لقبيلة الحساونة في بلدية القرضة الشاطئ، وكذلك أماكن تواجد قبيلة التبو في مدن مرزق والقطرون تقع تحت سيطرة حفتر، لكن قوات قبائل الطوارق في مدينة أوباري هي أقرب لحكومة الوفاق منها إلى حفتر، وعمومًا الجنوب متداخل، وتجد داخل المدينة الواحدة ولاءات مختلفة»، انتهى كلامه، ويبقى الواقع ونتائج الصدام الذي وقع بالفعل بين طرفي النزاع، ليؤكد صحة هذه الخريطة من عدمه.

وتتباين المواقف حول صراع الجنوب الجديد القديم، ما بين من يرى أن الحكومة محقة في تحركاتها كونها تملك الشرعية، ولها الحق في ضبط الأمن وبسط سيطرتها على الأماكن الخاضعة لها، خاصة أن تحركات حفتر في الجنوب تؤكد الفرضية القائلة إنه يهدف من ذلك الانتقال بسرعة للسيطرة على الغرب الليبي واقتحام العاصمة، أو على الأقل إضعاف خصمه في الغرب الليبي خاصة مدينة مصراتة الذي يرفض أغلب مسلحيها وجود حفتر، بل ويطالبون مع غيرهم بمحاكمته كمجرم حرب لما سببته قواته في شرق البلاد.

وهناك من يرى في حفتر أنه يقود جيش بالفعل، وأن محاولة سيطرته على الجنوب تصب في صميم عمله العسكري، وأن له الكثير من المؤيدين الرافضين لوجود قوات تتبع مدينة مصراتة مثل القوة الثالثة (هي في الحقيقة تتبع حكومة الوفاق ومكونة من عدة مدن)، وأن سيطرة حفتر على الجنوب مشروعة بحكم المنصب الذي يتولاه حاليًا من قبل مجلس النواب المنعقد في مدينة طبرق شرق البلاد.

وبين مؤيد ومعارض، وبين غضب الصحراء والرمال المتحركة، يتوه الليبيون وتظل أصوات الرصاص وصور القتلى والجرحى هي المشهد المتكرر أمامهم، وسط حالة معيشية متردية، وأسعار جنونية، وانهيار وشيك للاقتصاد وللعملة المحلية، ومع ذلك تستمر الحرب. هم فقط يريدون ما خرجوا ضد القذافي من أجله: أمن وأمان، وكرامة إنسانية، ودولة مدنية ديمقراطية، وإلا ربما سيلعنون الثورة ومن شجعهم عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد