في ليبيا التناقضات طافحة لمن يرى أمامه، وغير موجودة لمن لوى رقبته لأيام أجداده، وكيف عاشوا.

الصيام بلا صلاة، غض البصر عن المتسولين، وعدم الغض عن غير المحجّبة، شتم تونسيون لا يريدون الصيام من قبل صائم سكران قبل رمضان بيومين، تعزية فقراء في ميتهم وتكليفهم ماديًا لكي يشرب المعزّون اللبن مع عدم تفقد أحوالهم قبل موت ميتهم قبل شرب اللبن.

هذه كلها تناقضات، ولكن الفكرة، أنها ليست تناقضات بسبب الجهل، أو على الأقل ليس الجهل الذي تعودنا عليه.

قد يبدو الجاهل قبل عصر العولمة هو شخص لا يملك الكثير من المعلومات، أما هنا؛ فإن جهلنا بتشخيصه واضح؛ ودواؤه خاطئ ومميت كالسم نفسه.

إننا شعب يتلقى كله التعليم المجاني، ولكن قلائل هم المتعلمون بالمقاييس الصحيحة، ذلك أننا لا نفتقر للمعلومات، فجاهل ليبيا ليس فارغ الدماغ، بل مملوء الدماغ بمفاهيم خاطئة حتى حافة رأسه.

لقد وصف الرسول عليه الصلاة والسلام المشركين في مكة بالجاهلية، ونسبة المتعلمين في مكة أكثر من يثرب، والنبي نفسه كان لا يقرأ ولا يكتب، لأن الجهل ليسة أميةً ولا معلومات غزيرة، بس مفاهيم خاطئة ظنوا أنها صحيحة، هي بوصلة تشير للجنوب، ولكن الناظر لا يعرف الشمال من الجنوب، فسار شمالًا.

أكثر البشر يقرأون ويكتبون، ولكن هذا لا يرفع عنهم صفة الجهل بقدر ما يرفع المتعلم القبعة لثقة الجاهل بقدراته العقلية، ومفاهيم مثل الأرض المسطحة ومثل «ما قاله جدي هو الحق المطلق» في مجتمع تعليمه مجاني أول إشارة لزيادة عدد من يكتب ويقرأ وزيادة طردية في عدد الجهلة الذين يقرأون ويكتبون أيضًا.

وإيمان من يملك الدكتوراة بخرافات أجداده ووضعهم مقياس لقوانين الفيزياء هو أيضًا جهل لنفس الشخص الذي يحمل الدكتوراة ويعبد بقرة في الهند؛ الجهل ليس نقيض المعرفة، المعرفة شيء مستمر متطور، وينقّح أخطاءه مع الوقت، ولذا يكون نقيضها أشياء جامدة إستاتيكية، مثل العادات والتقاليد التي لا تُمدّد إلا البقاء في نفس الحيّز، أما الجهل في أيامنا فنقيضه تصحيح المفاهيم.

وهذا برمّته لا يمكن أن ننجزه بمناهجنا المستوردة، لربما نجح الأمر في الفيزياء والكيمياء، ولكن كيف نعلّم أطفالنا أن معظم ما سمعوه من أجدادهم هي خرافات شعبية مبالغ فيها إلى حد تسفيه الطفل، حيث يكون الجد المجاهد خارقًا للطبيعة، ويدمر دبابات المحتل بقبضة يديه أيضًا.

يجب بناء مناهج من إفرازات مجتمعنا، مناهج يضعها شخص يملك مفاهيم صحيحة لكي يعلم الأطفال أن قوة أوطانهم تكمن في زيادة الصادرات عن الواردات، والحرية لا تكمن في يدين بلا أغلال، بل في ثورة صناعية تغنيك عن سيارات الألماني وهواتف الكوري ومضخة الماء الإيطالية، والوطنية ليست أن يموت خيرة شبابنا دفاعًا عن حفنة تراب وبعض النخيل والزيتون وأرصفة الشوارع، بل لكي يولد الجيل الجاي حرًا في فكره من سلطة عاداتنا وتقاليدنا غير الحميدة، من سلطة القطيع على ما يجب أن ترتدي بنت الحاج جمعة في ناصية الشارع، من سلطة صادرات الدول التي تبقي كل جيل من أجيالنا ريعيًا لا يصنع طوبةً واحدة.

متى صححنا مفاهيمنا عن جهلنا الذي لا نريد الاعتراف به أصلًا، استطعنا تشخيصه وقياسه بالمسطرة قياسًا صحيحًا يُظهر الجهل من الرأس حتى أخمص القدمين، عندها سنستطيع بقليل من الجرأة أن نصف لنا دواءً صحيحًا اسمه «مدرسة»، وهي دواء لكل جهل متى أخذنا الموضوع بجدية وبدون استيراد.

وفي الختام فإن السيارة قد تسير أيضًا بالبنزين، ولكن إذا سارت في الاتجاه الخطأ، فذلك يعني فقط أنه السائق يعرف الطريق الخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تناقضات, ليبية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد