ما كادت الغارات الجوية للنظام العسكري المصري على درنة تودي بحياة العشرات من المدنيين الليبين وأطفالهم حتى انخلعت قلوب ملايين المصريين هلعًا ورعبًا على ذويهم من المصريين العاملين في الأراضي الليبية، كما أصابت ملايين أخرى حالة من الحزن على مقتل المدنيين من الأشقاء الليبيين، في مشهد يراه المراقب غير محسوب عند صاحب قرار الضربة الجوية، مما يلقي بظلال من الشك حول عبثية الهدف من الضربة الجوية، وهو الرد على مقتل المصريين في ليبيا.

فمما هو معروف من الحرب بالضرورة أنه لا يمكن توجيه ضربة عسكرية إلى دولة ما ولك فيها رعايا يعيشون على أرضها، فعادة ما تقوم الدول بإجلاء رعاياها من الدول التي تعالنها الحرب لحمايتهم مما قد يحيق بهم من نتائج الصراع، فما بالكم إذا بلغ عدد الرعايا الذين يعيشون على الأراضي الليبية قرابة المليونين؟

ثانيًا:

إذا كانت الضربة موجهة إلى منطقة ما ردًّا على أعمال القتل بحق المصريين فإنه من المنطقي أن يكون ذلك موجهًا لمدينة سرت حيث كان الزعم أن قتل المصريين كان هناك – وهو ما نفته الحكومة الليبية – وليست مدينة درنة!!

ثالثـًا:

إذا ما كانت الضربة موجهة إلى أهداف عسكرية، فلما كان القتلى من المدنيين الذين من بينهم أطفال؟

رابعًا:

لِمَ لم يتم الحوار أو التنسيق مع الحكومة الليبية حتى ولو من خلال وسطاء من أجل التبين والتأكد من أن الأحداث تمت على الأراضي الليبية، وأنه ينبغي القبض على القتلة ومعاقبتهم بدلاً من القصف العشوائي؟

خامسًا:

لِمَ لم يتم القيام بإجراء مشابه عندما قصفت القوات الإسرائيلية المصريين في رفح عند العدوان على غزة؟
سادسًا:

لِمَ العجلة في قرار كهذا له ما بعده من تبعات دون الحكمة والتريث ودون الرجوع إلى الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية؟ حقيقة الأمر أن النظام العسكري في مصر لا يعنى كثيرًا بأرواح المصريين، وذلك ما رأيناه ولا زلنا نراه حتى الآن وآخر ذلك مذبحة ألتراس زملكاوي، إلا أن يكون المصريين الأقباط من مواطني الدرجة الأولي!، وهذا حوله بعض الشكوك، وعليه فلِمَ وجهت هذه الضربة؟

نستطيع القول إن النظام العسكري يريد أن يبرهن للمصريين أنه قادر على الردع تحقيقـًا لمقولة “مسافة السكة” التي لا تكون إلا على المدنيين حتى الآن.

ثانيًا تعظيم حالة العدائية والكراهية والفعل ورد الفعل بين الشعب المصري والليبي، لإيجاد المبرر للغزو العسكري لليبيا مدعومًا بالتدخل العسكري الغربي بالتنسيق مع كل من فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وإسرائيل.

ثالثـًا التغطية على محاولات الفشل المستمرة للثورة المضادة والانقلاب العسكري في ليبيا عن طريق اللواء خليفة حفتر، رابعًا تحقيق الأجندة الغربية بتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات مع استمرار دورانها في الفلك الغربي.

خامسًا مقاسمة الغرب في جزء من كعكة النفط الليبية وخاصة بعد تراجع الدعم المقدم له من بعض دول الخليج التي دعمته من قبل.

سادسًا:

إيجاد نظام موالٍ له في دولة الجوار يحقق معه أكبر قدر من المصالح والمكاسب وأقل قدر من الخسائر والمشاكل.

سابعًا:

الإجهاز على الثورة الليبية ذات الرداء الإسلامي، والتي قد تمثل عمقـًا للمد الثوري في مصر، ثامنـًا محاولة الهروب إلى الأمام من المشكلات والأزمات الطاحنة التي توشك أن تعصف بالنظام العسكري في مصر .

إلا أن إلقاء النظام العسكري بنفسه في المستنقع الليبي قد ينتج عنه أحد السيناريوهات التالية، السيناريو الأول أن يحقق العسكر الأهداف سابقة الذكر أو بعضها وهو أمر غير مضمون العواقب.

السيناريو الثاني أن يغوص العسكر في المستنقع الليبي كما غاص من قبل في المستنقع اليمني ولم يحقق أيًّا من أهدافه هناك غير الإنهاك الاقتصادي للدولة المصرية وآلاف القتلى من الجنود المصريين وحالة من العداء والانقسام في المجتمع الليبي كما حدث باليمن ومازلنا نرى أثرها حتى الآن.

السيناريو الثالث أن يكون المستنقع الليبي استدراج من الغرب للعسكر كما فعلوا مع صدام من قبل عندما أحسوا طمعه في بترول الكويت فاستدرجوه ثم قاموا بالإجهاز عليه وعلى جيشه ودولته وفازوا هم بالغنيمة هناك.

السيناريو الرابع أن يكون الصراع العسكري في ليبيا مشغلة للعسكر عن الوضع الداخلي مع ازدياد الانهيار الاقتصادي وعودة القنبلة الموقوتة للعمالة المصرية إلى الداخل المصري مما يؤدي إلى زيادة السخط الشعبي وتعاظم الحراك الثوري المصري الذي قد يعصف بالنظام وينهي على آماله ومغامراته. ولكن يظل هناك احتمال أخير أن يكتفي العسكر بالضربة التي قاموا بتوجيهها منتظرين فرصة مواتية لمعاودة المغامرة بالغزو العسكري لليبيا. هذا ما ستسفر عنه الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد