تعج الفضائيات ووسائط التواصل والمواقع الإخبارية – هذه الأيام – بأخبار عن ليبيا، يتم عرضها لتراها من هذه الزاوية أو تلك، تحت تأثير الإعلام المهيمن عليه من هذا الطرف أو ذاك، وهذا هو منطق الصراعات الإقليمية بحلتها الجديدة في الشرق الأوسط، حيث يتم تجاهل الفجوة بين أن يكون الصراع عبثيًّا أو قائمًا حول قضية جوهرية، تستحق الانحياز لها، وهنا مكمن الاختلاف بين ما حدث في المنطقة على أثر ثورات 2011؛ حيث فرضت العاطفة أحيانًا الوقوف إلى جانب الشعوب الثائرة، وإن على حساب العقل الصارم، وما يحدث منذ 2013 في أكثر من ساحة، حيث يصيب التشظي مكونات محور واحد هو المحور العربي السني، فيما يتمدد الهلال الإيراني، ليلتهم العاصمة تلو الأخرى، فيحول نهارها إلى ليل مظلم، ولنا في بغداد الرشيد خير مثل.

إننا، في ليبيا وغيرها، إزاء وضع يحتم علينا معالجة الموضوعات بطرح الأسئلة، لا استهلاك الأحداث جاهزة كما تأتي من الدعاية و الدعاية المضادة لها، فالأسئلة هي طريق الحقيقة، وخير سلاح للباحث أو المحلل السياسي ليتجنب الوقوع في فخ الإفراط أو التفريط، كما أن الاستغناء عن التساؤل الدائم بأنصاف الإجابات، والصور المجزئة، يوقع صاحبه ضحية لوهم السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً. وبهذا الصدد، يجب فلترة ما نتلقاه من كم هائل من المعطيات، وعدم الانسياق الجنوني وراء عاطفة البحث عن الانتصار، وإن كان يمكن تفهم ذلك إلى حد كبير، فالأمة تبحث – بغض النظر عن التفاصيل- عن كل ما يشعرها بلذة الانتصارات، وإن كانت غير حقيقية، نظرًا إلى حجم الانكسارات والنكبات المتتابعة التي ما فتئ العالم الإسلامي يتعرض لها منذ ما يزيد على قرن.

إن انتصار الحكومات الشرعية والديمقراطية في أي بلد حول العالم، يبعث على الشعور بالراحة ويبث السرور لدى الأنفس السوية، والأمر كذلك بالنسبة لفشل الانقلابات وسقوط الطغاة والديكتاتوريات، ولكن ماذا لو كانت صورة الانتصار مبسطة وسطحية إلى أقصى الحدود، ولا تعبر بالضرورة عن تعقيدات المشهد وحقائقه المبطنة؟ ستكون الصدمة فظيعة عند اكتمال تقاسيم المشهد، ولن تجد الحقيقة عزاء في زحام التطورات المتلاحقة، وسطوة التسويات والترتيبات الدولية، التي لطالما تجاوزت الجميع ووضعتهم أمام الأمر الواقع، والأخبار الأخيرة القادمة من ليبيا هي شيء من هذا القبيل.

إن المتفحص بدقة للحرب القائمة في ليبيا، سيكتشف أنها محددة المعالم، فمن غير المسموح لأي طرف من الأطراف أن يحسم المعركة لصالحه، والنجاحات الأخيرة التي حققتها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًّا، تقع ضمن دائرة محدودة حول العاصمة طرابلس، أي بمعنى آخر، هي حتى الآن ليست سوى صد لحملة حفتر وحلفائه على الغرب الليبي، ولا يوجد مؤشر – حتى الآن – إلى أن الحكومة الشرعية ستوسع حملتها لبسط نفوذها على كامل الأراضي الليبية التي ما يزال حفتر يسيطر على قسمها الشرقي، بينما تهيمن التحالفات القبلية على منطقة فزان في الجنوب، وربما قد تمتلك حكومة الوفاق هذه الإرادة لتوحيد ليبيا، وقد يملكها حفتر أيضًا، ولكن هل سيسمح الواقع الإقليمي والدولي بتجسيدها؟ ألا تتجه الأمور نحو تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ بين قوى متعددة، فلا يستأثر طرف بكل الحصة لنفسه، ويمنعون نشوء سلطة مركزية قوية تمثل الدولة الليبية؟

لا يمكن أن نسمي التقدم العسكري المحدود انتصارًا، إذا لم تصحبه رؤية مستقبلية شاملة حول الوضع، وربما يتذكر الجميع ما حدث في ربيع وصيف 2015، عندما استطاعت المعارضة السورية المسلحة طرد قوات النظام من مناطق واسعة في شمال البلاد، ثم اتضح أنه تقدم هش، ولم يكن خطوة باتجاه دمشق، بقدر ما كان تعيينًا لمنطقة نفوذ إقليمي في وقت لاحق. وقد يقول البعض، إن للمسألة بعدًا رمزيًّا، ففشل أحد الأطراف في ليبيا قد يؤدي إلى انحسار المشروع الإقليمي الداعم له، وبالتالي نجاح المشروع المقابل. ولكن هذه الرؤية تتغافل عن المشكلة الرئيسية، وهي غياب الأرضية التي يمكن من خلالها معالجة التناقضات الليبية، لبناء دولة قابلة للحياة، إذ لا تستطيع روسيا أو تركيا أو غيرهما توفيرها مهما بلغ حجم وجودهم في المسرح الليبي، فالدول تراعي مصالحها القومية في المقام الأول ولا تلتزم بحل مشكلات الآخرين.

من مصلحة الليبيين اليوم، أن يأخذوا التصريحات الدولية، بأنه لا حسم عسكري للأزمة في بلادهم، محمل الجد، ليس لأن المجتمع الدولي صادق ويبحث عن حقن الدماء، ولكنه يعبر عن واقع، إن أقسى ما يمكن أن يصل إليه المتنازعون هو رسم حدود التقسيم، إن الحوار والمصالحة بين القوى الاجتماعية الرئيسية الفاعلة بعيدًا عن الزعامات والقوى المتورطة في الصراع، هو الحل لإعادة وضع ليبيا على خط الدولة، وطرح الأسئلة على المتدخلين في الشؤون الداخلية، يبقى السبيل الآمن للعب دور في تقرير المصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد