سيكون عنوان المرحلة المقبلة من الأزمة الليبية مشكلا من ثلاثة عناوين رئيسية: (1) مدى نجاح تنفيذ بنود الصخيرات بين الفرقاء، (2) تهديدات تنظيم الدولة، (3) إمكانية التدخل الأجنبي.

(1)  مدى نجاح تنفيذ بنود الصخيرات بين الفرقاء: إشكالات محلية عديدة وطوباوية دولية

يبدو أن الوضع في ليبيا يعرف منعطفا حاسما مع بداية السنة الجديدة، يتميز بالتوقيع التاريخي بين الفرقاء الليبيين المتمثلين بحكومة طبرق وحكومة طرابلس على بنود اتفاقية الصخيرات الداعية إلى توحيد الصفوف والجهود بينهما تحت رعاية الأمم المتحدة في سبيل مواجهة خطر تنظيم الدولة (داعش).

لكن تطبيق الاتفاقية لن يكون بتلك السهولة والطوباوية التي يتوقعها المجتمع الدولي، بل سيتوقف على مدى الوعي السياسي الذي يتمتع به الفرقاء الليبيون في محاولتهم لإخراج البلاد من هذه المحنة، ومدى وعيهم بالمخاطر التي ستؤول إليها ليبيا في حال عدم نجاح التطبيق الحرفي الدقيق لاتفاقية الوحدة على أرض الواقع.

أما التساؤل المهم الذي يجب طرحه الآن: هل سيقتصر نجاح تنفيذ بنود اتفاقية الصخيرات في الأرض على فرقاء الداخل فقط؟ أم أنه يتعداه ليشمل فرقاء الإقليم الداعمين لهذا الطرف أو ذاك، خاصة أن الفرقاء الإقليميين هم من يملك الأدوات الأساسية (لوجيستيك عسكري، أموال، إعلام، تأثير دولي) لتحريك الصراع الداخلي بين طبرق وطرابلس، وإن لم يتفق الفرقاء الإقليميين على الحل، كيف إذن سننتظر اتفاق الفرقاء المحليين؟

أما في حال تمتع الفرقاء الليبيون في الداخل وشركاؤهم الإقليميون في الخارج برزانة كبيرة، وتميزوا برؤية مستقبلية ثاقبة ومتنورة، وتمتعوا بروح توافقية، وتم التوحيد الفعلي لا الكلامي والورقي بين الحكومتين تحت مسمى حكومة وفاق وطني برئاسة “فايز السراج”، فإن إشكالات أخرى ستطفو للسطح، كالآلية الواجب اتباعها لمحاربة الجماعات المتشددة، وعن كيفية استرجاع الأسلحة من الميليشيات العسكرية، وعن محاولة إعادة إدماج عناصر المليشيات في جيش وطني موحد يكون نواة الجيش الليبي المستقبلي، وكل هذا يتطلب جهدا وتنسيقا كبيرين، وعملا طويلا لا يبدو أن الفرقاء في ليبيا مستعدون له، على الأقل في الوقت الراهن، بالإضافة إلى مشكلة أخرى قد تبدو هي الأغرب، والمتعلقة بمدى السيطرة الفعلية للطبقة الفوقية السياسية والعسكرية عند الطرفين الموقعين في الصخيرات على الطبقة التحتية المتحاربة، خاصة أن الجماعات المتحاربة والأسلحة الموجودة داخل ليبيا لا تعد ولا تحصى، كل هذه الإشكالات تبدو معيقة لأي تقدم فعلي لتنفيذ الاتفاقية على الأرض.

(ً2) تهديدات تنظيم أبي بكر البغدادي: محاربة داعش ترمومتر دولي لقياس مدى تنفيذ بنود الصخيرات بين الفرقاء.

التهديد الأبرز للفرقاء في ليبيا اليوم يتمثل في الصعود المتزايد لتنظيم الدولة (داعش)؛ حيث أصبح يسيطر بشكل شبه كامل على مدينة “سرت” في وسط البلاد، وتتواجد عناصر داعش بكثافة، لكنها لا تسيطر كلياً في مناطق أخرى “كدرنة” و”بنغازي” في شرق البلاد. الصعود المستمر والمتزايد لتنظيم الدولة لا يهدد الحكومتين في طبرق وطرابلس فقط، بل يهدد وحدة وأمن المنطقة ككل، وعندما أقول المنطقة، لا أقصد شمال إفريقيا والمغرب العربي وبعض مناطق الساحل الإفريقي، كالتشاد والنيجر ومالي فقط، بل يتعداه ـ على ما يبدو ـ ليشمل ـ أيضاً ـ دولًا أوروبية كإيطاليا وفرنسا (على الأقل هذا ما صرح به المسئولون عندهم، وهذا ما سأعود إليه لاحقاً).

عودة إلى تهديد داعش الكبير للفرقاء في ليبيا، لن يكون هذا التهديد مقتصراً على الساحة الحربية الميدانية، بل سيؤثر كذلك على التطور في الجانب السياسي، حيث سيكون تنظيم الدولة (داعش) “كالترمومتر” الذي سيقاس عليه مدى تطبيق بنود اتفاقية الصخيرات بين الفرقاء من طرف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

فكلما صعد تنظيم الدولة (داعش) وارتفعت أسهمه في ليبيا بتحقيق التقدم والانتصارات يعني ذلك أن الفرقاء لا يقومون بواجبهم التوافقي الوحدوي، وكلما نزل ونقص تأثير داعش في ليبيا يعني أن الفرقاء في طبرق وطرابلس يقومون بعمل كبير وجبار في إطار تنفيذ بنود اتفاقية الصخيرات، وهذه الحالة الفريدة التي وصل إليها الوضع في ليبيا لن تنتهي إلا بإحدى السيناريوهات التالية:

 

إما القضاء على داعش نهائيا، وقيام حكومة وحدة وطنية حقيقية ستكون مخولة لقيادة ليبيا إلى بر الأمان مستقبلا، أو بقاء الحال على ما هي عليه، وزيادة تمدد داعش (ولو ببطء) ما سيستلزم أحد الأمرين التاليين: إما تدخلا أجنبيا لمحاربة تنظيم الدولة (داعش) وتوحيد البلاد بالقوة، أو تقسيما فعليا لليبيا بين طبرق وطرابلس، وتشكيل كل من الحكومتين قوتها العسكرية لمحاربة داعش من حدود خريطتها وضيق أفق مصالحها.

تهديد تنظيم الدولة (داعش) يبدو أنه سيصبح العنوان الثاني الأبرز في المرحلة المقبلة لليبيا، وستكون مقاتلته فرصة لتوحيد الأذرع صوب هدفاً واحداً يجمع بين الفرقاء ما سيظهر حسن نيتهم من عدمها في تنفيذ بنود الصخيرات التوافقية التوحيدية، فتهديد تنظيم الدولة (داعش) سيكون سلاحاً ذا حدين في الفترة المقبلة في ليبيا؛ حيث سيكرم الفرقاء بتوحدهم لمواجهته أو يزيدهم انقساماً وفوضى.

(3) إمكانية التدخل الأجنبي: بين التاريخ والحاضر.

التدخل الأجنبي لمحاربة داعش في ليبيا سيكون العنوان الثالث الأبرز في الفنرة المقبلة ليبياً، خاصة مع ارتفاع عدد الأسطوانات التي ينتجها الغرب مؤخرا، بدون كلل ولا ملل، شارحاً مدى تهديدات داعش الكبيرة على أوروبا وسواحلها المتوسطية، والمفسرة لخطورة زيادة عدد اللاجئين الذين يفرون من داعش في ليبيا بالزوارق على أوروبا وأمنها.

وبالعودة قليلاً إلى التاريخ الليبي، وقبل أقل من مائة سنة، تحديدا عند انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء وخسارة المحور والإيطاليين، ما أسفر عن خروج الإيطاليين الفاشستيين من ليبيا، ترددت حينها نفس الأسطوانة تقريبا، لكن بموسيقى مختلفة، كانت النغمة فيها متمثلة بنشر الوعي بين عموم الشعب الليبي وتعليمهم كيفية تسيير شئونهم، فتم على هذا الأساس تقسيم ليبيا سنة 1949 على ثلاثة أقسام تحت رعاية الأمم المتحدة، بريطانيا (إقليم برقة)، فرنسا (إقليم فزان)، وإيطاليا (إقليم طرابلس الغرب)، واليوم نسمع نفس الأطراف تقريبا تعيد تجديد الأسطوانة القديمة مع تغيير الموسيقى قليلا؛ لتناسب العصر الحالي، والنغمة الجديدة فيها هي محاربة التطرف، ومنع اللاجئين من التدفق على سواحل أوروبا المتوسطية، والراعي في الحالتين هي منظمة الأمم المتحدة..

إمكانبة التدخل الأجنبي ستزيد كلما ابتعد تنفيذ اتفاق الصخيرات بين الفرقاء وكلما أخفقت حكومة الوحدة الوطنية في القيام بدورها التوافقي، هذا ما سيسمح بزيادة انتشار داعش على الخريطة الليبية وارتفاع الخطر على أوروبا سيجعل الأطراف الأجنبية تتدخل مباشرة، خاصة أن بعض الدول بدأت من الآن الاستعداد لأية هفوة يقوم بها الفرقاء في ليبيا للانقضاض على تنظيم الدولة (داعش).

ونستطيع أن نقول أخيرا أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، كما أشرنا في البداية، عناوينها الثلاثة تتراوح بين مدى التنفيذ الفعلي لاتفاقية الصخيرات، ونجاح تشكيل حكومة وحدة وطنية، وعن تهديدات تنظيم الدولة (داعش)، وعن إمكانية التدخل الأجنبي لضرب تنظيم الدولة (داعش).

في النهاية تبدو المعادلة الليبية في المرحلة المقبلة معقدة نوعا ما، والحل سيمر بإحدى الطريقين التاليتين: إما إنجاح تنفيذ اتفاقية الصخيرات، وتوحيد الحكومتين بالتوقف عن الاقتتال والتوافق على آليات عمل مشترك تكون تحت حكومة وفاق وطني يقودها “فايز السراج” والبدء بالعمل جدياً للقضاء على تنظيم الدولة (داعش). أو البقاء على هذا التشتت والتجزؤ والانقسام ما سيسفر عن إمكانية تدخل أجنبي سيكون تحت بندين: أولهما القضاء على تنظيم الدولة (داعش). والثاني مراقبة عمل قوى التوافق المحلي عن قرب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ليبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد