«الحرب هي تسلية الزعماء الوحيدة التي يسمحون لأفراد الشعب بالمشاركة فيها». *هنري برجيسون 

تنطبق هذه المقولة على الحالة في ليبيا للغاية، فهي علاوة على كونها حربًا «مفتعلة» من قبل الزعماء – ضمن صراعهم على السلطة- فهي الأمر الوحيد الذي يسمح فيه للشعب – خصوصًا فئة الشباب- بالاشتراك فيه! 

الحكومة الموظف الأول

 بعد ثماني سنوات من الفوضى التي خلفها السقوط المدوي لأطول ديكتاتورية في دول «الربيع العربي»، وجد الليبيين أنفسهم في وضع شبهته بعض الصحف الدولية بصورة كاريكاتورية بليغة، بأن الثوار سيطروا على سيارة تمثل الديمقراطية، ولكنهم يتساءلون كيف يجب عليهم قيادتها؟!

«كن على حذر مما تتمنى، فقد يتحقق».

Be careful what you wish for, it might just come true

 فبعد كل شيء، فإن عقود من الديكتاتورية والرأي الواحد، والأهم نظام اقتصادي مشوه وموجه تقوده الدولة، خلق نموذج من المواطن الطفل، يعتمد على الدولة في توفير كل شيء تقريبًا، وإن كان بمستوى متدن، بداية من التعليم والعلاج المجانيين، والمواد الاستهلاكية، والوقود المدعوم، وصولًا إلى المرتب – بدل البطالة– بدون إنتاج أو عمل حقيقي.

كل هذه الأمراض الموروثة كان من الطبيعي أن تترك أثرها على الليبيين في محاولتهم للتحول إلى الديمقراطية.
حسب البنك الدولي، فإن ليبيا تتصدر دول العالم في نسبة التوظيف الحكومي، مقارنة بعدد السكان، ويؤكد ذلك ديوان المحاسبة الليبي، فحسب إحصائيات عام 2018 تجاوز عدد الموظفين الحكوميين 1,800,000، وهو خمسة أضعاف الحاجة الفعلية للدوائر والمصالح والمؤسسات الحكومية، فبند المرتبات في الميزانية العامة يصل إلى 60%، فإذا أضفنا لها بند الدعم للوقود والمواد الغذائية حوالي 30%، فإننا نجد الإجابة عن السؤال الذي لطالما يطرحه الليبيون: أين تذهب الميزانيات الحكومية؟! 

 وعلاوة على أن الدخل الحكومي يكاد ينحصر في إنتاج وبيع سلعة واحدة (النفط والغاز)، وهي حالة مثالية لما يعرف في علم الاقتصاد السياسي بالمرض الهولندي، وينذر بمصير مشابه للوضع في فنزويلا إذا استمر الحال كما هو عليه خلال السنوات القليلة القادمة، بالفعل تعاني الميزانية من عجز، على الرغم من ارتفاع الإنتاج النفطي إلى أكثر من 1,300,000 برميل في اليوم نتيجة لتدني أسعار النفط. 

لعنة التنافس على السلطة والثروة.. بالسلاح 

يفضل الليبيون في الغالب أن يعوزوا كافة مصائبهم إلى التدخل الخارجي – بدلًا عن مواجهة مسؤولياتهم تجاه بلادهم– ببساطة لأنها شماعة مريحة، وهذه أيضًا أحد أعراض المواطن الطفل. بالطبع التدخل الخارجي موجود ومثبت – بواسطة تقارير لجان الخبراء الأمميين– وتتورط فيه الأطراف كافة. ولكن الصراع على السلطة والثروة بالسلاح بين أمراء الحرب لا يحتاج لتدخل خارجي لإشعاله، فليبيا – شكرًا للقذافي– تمتلك أكثر من 25 مليون قطعة سلاح، تكفي لإبادة الشعب الليبي عدة مرات بدون أي تدخل من الخارج، في النهاية، فإن المجازر التي تسببت بها الحروب الأهلية، مثل حالة رواندا، لم تتوقف إلا بالتدخل الخارجي. 

هذا لا يعني أن أمراء الحرب يفتقرون إلى الدعم من مشيخات النفط الخليجي، أو غيرهم من المتنافسين الإقليميين والدوليين، وكذلك توفر المرتزقة في جماعات المعارضة المسلحة في دول الجوار (السودان وتشاد). لكن الصراع الحقيقي مدفوع بالتنافس على السيطرة على الموارد النفطية ومسارات التهريب (البشر، والوقود، والسلع). 

صراع جماعات الإسلام السياسي مقابل الديكتاتورية العسكرية 

ليبيا إحدى الساحات الرئيسية لهذا الصراع المتجدد، والذي يختلف طرفاه على كل قضية تقريبًا فيما عدا واحدة، وهي عدم إيمانهما العميق بالديمقراطية، فالإسلام السياسي بكافة درجاته يرى في الديمقراطية منتجًا غربيًّا لا يتلاءم مع تعاليم الشريعة الإسلامية حسب فهمهم، خصوصًا أن نظام الحكم الديمقراطي يستوجب تغييرات مجتمعية – إطلاق الحريات الفردية– وكذلك التحول إلى اقتصاد حر، والتداول السلمي على السلطة، وهو ما لا تقبل به حتى أكثر هذه الجماعات اعتدالًا (الإخوان المسلمين)، وما إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول مؤخرًا بسبب خسارة الحزب الحاكم في تركيا، والذي لطالما عد من أنجح النماذج الديمقراطية التي يتباهى بها أنصار الجماعة- إلا دليل آخر على أن البون بين جماعات الإسلام السياسي والديمقراطية ما زال شاسعًا، وبحاجة إلى أكثر من مجرد مراجعات سطحية متفرقة هنا وهناك بعد كل نكسة. 

أما الأنظمة الديكتاتورية بطبيعتها لا تبذل أدنى جهد في إخفاء عدم إيمانها بالديمقراطية، وفي هذا السياق تكون مفهومة تصريحات الجنرال حفتر: «الشعب الليبي غير جاهز للديمقراطية»، لتكشف عن حقيقة نظرته التي تحتقر الديمقراطية وتراها نوعًا من الترف الغربي الذي لا يليق بشعوب المنطقة، وكذلك حقوق الإنسان والحريات.

ولكن هذا الصراع (الإسلاموي – العسكري) أيضًا مستورد بالنسبة لليبيا للتغطية على الصراع على السلطة والثروة بقوة السلاح، ولذلك نجد العديد من أمراء الحرب يغيرون من ولائهم لمن يدفع أكثر، أو من يضمنون رجحان كفته في الصراع بسبب الدعم (الإقليمي والدولي)، كما حصل مؤخرًا في المنطقة الجنوبية؛ حيث غيرت بعض المجموعات المسلحة القبلية التي كانت متحالفة مع الإسلام السياسي لتندرج تحت لواء ما يعرف بالجيش الوطني، ليعلن حفتر تحريره الصوري للمنطقة الجنوبية، والأهم سيطرته على منابع النفط فيها. 

تجري حاليًا شيطنة تيار الإسلام السياسي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وحتى قادته الرئيسيون في ليبيا يتبرؤون علنًا من الانتماء له (خالد المشري وعبد الرزاق العرادي)، خصوصًا أنهم – بعكس غالبية الدول العربية- فشلوا في تحقيق أي انتصار انتخابي في التجارب السابقة في ليبيا، ولا يحظون بأي تأييد شعبي، وموصومون بالتحالف مع الجماعات المتطرفة للانقلاب على نتائج انتخابات مجلس النواب عام 2014. 

الشباب في ميادين القتال وليسوا في ميادين العمل 

إن نسبة البطالة في ليبيا تصل إلى 17% بشكل عام، ولكن في صفوف الشباب تتجاوز 50%، ومرجحة للارتفاع في ظل غياب أي استراتيجية حكومية لخلق فرص عمل جديدة وتوفير بيئة ملائمة لتنشيط القطاع الخاص الإنتاجي و/ أو الخدمي، ولا سياسات لجذب الاستثمارات الأجنبية، أو نظام تعليمي عالي/ مهني قادر على خلق كوادر مهنية تنافس محليًّا أو دوليًّا، فالأعمال الحرفية مثل (الميكانيكا، السباكة، النجارة، الحدادة وغيرها) وحتى البائعين في المحلات ومقدمي الخدمات في المطاعم والفنادق غالبيتهم أجانب، ويعود هذا في جزء منه إلى ثقافة المواطن الطفل الذي ينتظر التعيين في وظيفة حكومية، وفي جزء آخر إلى عدم توفر المهارات اللازمة. 

هذا الوضع سهل على أمراء الحرب تجنيد المزيد من الشباب الصغار – البعض تحت السن القانونية– والزج بهم في أتون معارك دموية للاقتتال بعضهم مع بعض – أبناء المدن والعائلات نفسها- في ألعاب حربية عبثية مثل التي تحصل حاليًا في طرابلس، والبعض منهم يفتقر حتى للمهارات اللازمة، ويحاول اكتسابها من خلال لعبة البوبجي! 

السياسيون العاجزون عن تقديم أي حلول سياسية لأزمة الصراع على السلطة، لا يتورعون عن التحالف مع أمراء الحرب، ويستمرون في التحريض على استمرار الاقتتال، ويعرقلون أي مساع دولية لإيقافها، ويتنقلون بين العواصم الإقليمية والدولية للبحث عن دعم سياسي أو عسكري لتمديد عمر الحرب وتحويلها من حرب أهلية إلى حرب بالوكالة، وعلاوة على تضييعهم سنوات بدون أي مقترح جدي، أو خطة سياسية موضوعية لخلق مستقبل للشباب بعد الحرب، وكأن فترات السلم ما هي إلا استراحة مؤقتة للإعداد للحرب القادمة، في ظل فشل سياسي مستدام ومصحوب بتحريض إعلامي ينحدر بالمهنة الصحفية إلى أدنى المراتب، ويفتقر لأخلاقيات أو أي مصداقية، وتموله مشيخات النفط الخليجية، في منافستها لتوسيع دائرة نفوذها بتنصيب حكومة موالية. 

خطة مارشال وطنية 

كافة الحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، إما لوضع المنتصر لشروطه، وإما لكي يصل أطرافها إلى تسوية (حل وسط) في حال فشلهما في تحقيق النصر، وأسوأ أنواع الحروب – أكثرها دموية وأطولها أمدًا– هي الحروب الأهلية. وعلى الرغم من فوضوية المشهد في ليبيا، فإنه غير ميئوس منه، ويمكن إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الجميع. 

نختلف مع الدعوات المتكررة للعودة إلى المسار السياسي وإيقاف الحرب، أو حتى عقد ملتقى وطني للتزمين – وضع مواعيد للاستفتاء على الدستور و الانتخابات الرئاسية و/أو البرلمانية- كما نادى به المبعوث الأممي غسان سلامة في أكثر من مناسبة، وكما تطلب كافة العواصم التي زارها القادة السياسيون الليبيون، فأقصر الطرق إلى إنهاء الحروب الأهلية هي عقد انتخابات بشكل متعجل بدون تهيئة البيئة المناسبة، ولكنها بالتأكيد أسوأ الحلول على المدى البعيد، كما هو الحال في لبنان، والعراق، وليبيا في المناسبات السابقة، فعلاوة على عدم وجود ضمانات موضوعية بالقبول بنتائجها، فهي وصفة مثالية لإدامة الفساد ونظام المحاصصة في ظل غياب ثقافة ديمقراطية حقيقية لتشكيل معارضة قوية في البرلمان لمراقبة الحكومة من الداخل، ولجوء الأحزاب كافة إلى القبول بحصة من كعكة الحكم. 

الأجدر العودة للمسار التفاوضي بعد الاتفاق على كيفية اختيار مندوبين عن كافة الدوائر الانتخابية أو المجالس البلدية مباشرة من قبل الشعب، مع حل المجالس النيابية التي تجاوزت الفترات القانونية لها بكثير، وجدد لها بواسطة الاتفاق السياسي، وأن يكون هناك مؤتمر تأسيسي برعاية الرباعية – الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي– مع تكليف مبعوث يمثل الرباعية، ويجب على المؤتمر التأسيسي ألا يكتفي بالتطرق للمسار السياسي فقط – ولكن يجب أيضًا وقبله– أن يعالج الوضع الاقتصادي والمسار الأمني. 

تحتاج ليبيا إلى معالجة السبب الرئيسي للمشكلة وعدم الاكتفاء بأعراضها، فحقيقة الانقسام السياسي هو التنافس على اقتصاد الظل في غياب خطة لإعادة إعمار ليبيا، ووضع أسس لاقتصاد إنتاجي وخدمي، يعتمد على القطاع الخاص، ويخلق فرص عمل، ولا يرتبط بالتنافس السياسي، ويمكن الاستعانة في وضعه بالخبراء الدوليين، ويفتح المجال أمام التنافس الشرعي والاقتصاد الحر، أحد أركان النظم الديمقراطية. 

كما يجب الاتفاق على آلية دولية لتجميع السلاح خارج المدن، وتفكيك المجموعات المسلحة وإعادة تأهيلها كأفراد، بإشراف دولي لتأسيس جيش وطني لا يتدخل في السياسة ويحمي الحدود والنظام الديمقراطي. 

وأخيرًا لتحقيق أكبر مشاركة شعبية في الحكم؛ ينبغي تنظيم الانتخابات بقانون يضمن استقلاليتها وشفافية مصادر تمويلها، وتبدأ المنافسة على المستوى البلدي بناء على برامج خدمية، وتؤجل المنافسة السياسية الوطنية، وتكلف حكومة تكنوقراط مهنية غير حزبية تشرف على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وإصلاح الاقتصاد الوطني، تحت رقابة وإشراف دوليين وبشفافية ومحاسبة (معايير الحوكمة الرشيدة). 

باختصار، المفقود في الأزمة الليبية عدم وجود استراتيجية وطنية يجمع عليها الليبيون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد