قرأت يومًا تغريدة لناشطة حقوقية تعلن فيها عن منح دراسية للدراسة بجامعة الأزهر، لدراسة الإسلام الوسطي، فعلقت على تغريدتها بالقول أليس من الأولى أن نذهب غربًا، وأقصد تونس والمغرب؛ حيث المدرسة العقلانية الوسطية البعيدة عن التعصب التي في ذروة غلوها فرضت الإقامة الجبرية على ابن رشد، بينما المدرسة الشرقية صلبت وقطعت وحرقت الحلاج.

فأجابتني أنها على تواصل مع جامعات المغرب العربي.

فلنبدأ.

من المؤسف أن مؤسسة دينية عريقة كالأزهر الشريف لم تكن يومًا مثالًا للمدرسة الوسطية، إلا إذا قارناها مع تنظيم داعش، فالحال أن كل ما يقارن بهذه الجماعة المتعصبة سيكون وسطيًا، حتى أصبح من قبيل الطرفة – أن الإرهاب زمن ابن لادن – كان إرهابًا معتدلًا ووسطيًا، أليس الأزهر هو نفسه من قام طيلة القرن المنصرم بمعاداة كل مفكر ومحاربة كل فكر تنويري أو حداثي، فقد كفر الأخير طه حسين بسبب رسالته عن الشعر الجاهلي عند العرب، والتي طرد على إثرها من جامعة الأزهر، ومنع من تولي عمادة كلية الآداب. كما شمل الطرد المفكر الإسلامي علي عبد الرزاق بسبب كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، الذي يعتبر اليوم مرجعًا لبعض تيارات الإسلام السياسي المعتدل، وقد استمر نهج التكفير هذا، ليكفر فرج فودة الذي تشير كثير من الشواهد إلى أن فتوى جامعة الأزهر كانت وراء اغتياله، كما شملت سلسلة التكفير الروائي نجيب محفوظ؛ بل وصل ببعض مشايخهم إلى حد رفع دعوى حسبة لتطليق زوجة الكاتب نصر حامد أبو زيد بعد تكفيره بسبب مؤلفاته «مفهوم النص» و«الإمام الشافع مؤسس الوسطية في الإسلام».

لا يختلف هذا الموقف عن المدرسة الشرقية الأخرى «الوهابية» بل من باب الأولى تجنب اتباع نهج هذه المدرسة. فالأمة عانت ولا تزال من أثر الصفقة المشؤومة بين عائلة آل الشيخ – أحفاد محمد عبد الوهاب– وعائلة آل سعود التي قادت إلى حكم سلفي على الشعب وعلماني للعائلة المالكة، فمنذ القرن السادس للميلاد ألزمت هذه المدرسة الناس بقراءة وفهم وحيد للنص والحجر وتجميد العقول، وذلك بمنع الاجتهاد خوفًا من الابتداع، ليتحول الإسلام إلى كهنوت ومؤسسة كنسية فلا يغرنكم الإصلاحات التي يقودها ولي العهد السعودي، فهي أقرب إلى «مشروع ليبيا الغد» الذي نادى به سيف القذافي. أليس هم من كفروا آلاف الليبيين لاتباعهم المذهب الإباضي؟

إننا في هذا المقال لا نرمي إلى التجريح بالمؤسسات الدينية كالأزهر، أو بالتيارات الدينية كالسلفية الوهابية، فلسنا بصدد التقييم أو الحكم، إنما المستهدف إعادة رسم استراتيجية لمناهج التفكير في بلدنا ليبيا، والتي تبعدنا عن مناهج التطرف، والبحث عما هو أصلح لحالنا، نحن بحاجة لفكر منفتح يفهم المعاني والمرامي للنصوص وليس الجمود عند الأقوال أو الأفعال، ولكي نبتعد عن التعصب والتوظيف السياسي لتثبيت الحكام أو خلعهم.

لماذا نذهب بعيدًا لنستشهد بالتاريخ الموغل؟ ففي التاريخ القريب وخلال حكم الملك إدريس الليبي المنشأ المغربي العقل، والذي استمر طيلة 18 سنة، لم يزهق الأرواح، بل عندما اختلف مع رفيق الاستقلال بشير السعداوي قام بنفيه للخارج، (أنا لا أبرر هذا الفعل فهو خطأ)، بينما القذافي تلميذ الناصرية بدأ بالإقصاء منذ الشهر الأول لتوليه السلطة، فقد قضى على صديقه آدم حواز، ومنذ ذلك اليوم حتى الآن ومعزوفة الدم لم تتوقف.

ومن روح العقلانية التي يتمتع بها مغربنا العربي النموذجان المشرفان والناجحان في ثورات الربيع العربي «المغرب وتونس»، فقد تبنت المغرب النهج البريطاني بمنحها تنازلات عن بعض الصلاحيات الملكية التي ستصل يومًا ما بفضل عقلانيتهم إلى ملكية الدستورية، بينما تونس التي تبنت نهج الثورة الفرنسية في بدايتها نجحت في إقامة نظام شبه رئاسي ديمقراطي ولم تتبع النهج الفرنسي في الفترة الانتقالية، واستطاعت عقلنة التيار الثوري، وبذلك تفوقت على مصدرها التاريخي المتمثل في الثورة الفرنسية، ونجحت في وضع نموذج ديمقراطي يقتدى به، فقد جمع بين إسقاط النظام وعدم إسقاط الدولة، والفوز بديمقراطية فتية.

أيضًا عندما دعا رئيس الجمهورية التونسية السبسي إلى إصدار جملة من القوانين المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة – وبغض النظر عن موقفنا من أن نكون مع أو ضد هذا التوجه – إنما الذي يعنينا هو نهج تعاطي المدارس الشرقية والمغربية مع مثل هذه المسائل، فقد صدرت فتوى تكفير من الشيخ وجدي غنيم، ومنع الأزهر الحديث في هذا الموضوع، بينما حركة النهضة قالت إن هذا الأمر يحتاج إلى نقاش، دون الوصول إلى مصطلحات كبيرة كالتكفير أو إبطال الحق في الكلام.

نعم علينا أن نولي عقولنا غربًا؛ حيث الإسلام العقلاني والديمقراطية والمدنية؛ حيث ابن خلدون وابن رشد والجابري وأركون ومالك بن نبي؛ حيث العقلانية وليس عبيد فقه الحذاء العسكري أو فقه طاعة المستبدين.

ولكن هذه الإدارة للعقل غربًا لاستعمال منهج التفكير فقط، وليس التبعية التامة والعمياء؛ لأننا نسعى لتأسيس هوية مستقلة للأمة الليبية؛ والقيام بعكس ذلك «التبعية للمغرب العربي» هو الوقوع بنفس الخطأ السابق بالتبعية للمشرق. بعد هذا هل توافقني على أن ندير عقولنا غربًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ولوا عقولكم غربا
عرض التعليقات
تحميل المزيد