أية قراءة هادئة لحديث عادل عبد المهدي في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، تقودنا إلى حقيقة أن الرجل مصاب بحزمة من الأمراض.

أول هذه الأمراض أنه يعاني من «وهم التفوق»، وهو شعور مبني على الإحساس الكاذب بامتلاك قدرات ومؤهلات لا وجود لها إلا في مخيلة صاحبها، وهذا «التفوق المتخيل» ينتج بدوره نزعة «الاستعلاء والفوقية» التي تحول صاحبها إلى شخصية منعزلة عن الواقع، تتحكم به تصورات لا صلة لها بما يحيط بها من وقائع وأحداث!

حين استعرض عبد المهدي «إنجازات» حكومته، كنت أظنه يتحدث عن واحدة من أنجح تجارب النهضة والبناء في العالم، ذهب بي الخيال بعيدًا فتصورت أن الرجل يدعو إلى استلهام تجربة النمور الآسيوية الأربعة «تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية» التي حققت قفزات استثنائية في التطور الاقتصادي، جعلت منها أنموذجًا يحتذى خلال العقود الأربعة الماضية!

وفي اللحظة ذاتها قفزت في ذهني مقارنة بين احتجاجات هونغ كونغ، التي تواصلت على مدى ستة أشهر من غير أن تشهد سقوط ضحايا، باستثناء قتيل واحد سقط عن طريق الخطأ، وبين تظاهرات العراق التي سقط خلالها 500 شهيد وما يقرب من 20 ألف جريح خلال أقل من شهرين!

كان عبد المهدي يتحدث باسترخاء المنتصر، ويخاطب وزراءه بنشوة القائد الذي اجترح المعجزات، أو الباني الذي حول العراق إلى جنة الله في الأرض في الرفاهية والأمن، والاندماج مع العصر بكل متطلباته، متجاهلًا أن عدد الأميين في العراق بلغ 8 ملايين مواطن.

وأن نسبة العراقيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، بمعدل دخل لا يزيد عن ثلاثة دولارات يوميًّا بلغ 25% من مجموع 35 مليون عراقي، وبعبارة أخرى فإن أكثر من 8 ملايين عراقي لا يمتلكون الحد الأدنى من مقومات العيش، التي تضمن لهم ديمومة الحياة، ناهيكم عن ملايين العاطلين عن العمل، ومئات الآلاف من التلاميذ المتسربين من المدارس؛ بسبب اليتم، أو العوز وضيق اليد!

في خطبة الوداع التي ألقاها في مجلس الوزراء بعد أن اقتلعه الشارع الغاضب من منصبه، لم يشر عبد المهدي إلى 400 شاب قتلوا برصاص جنوده وأدواته، وحراسه وأتباعه، لم يتحدث عن 20 ألف جريح ومعاق لا ذنب لهم سوى أن طبقة اللصوص التي ينتمي إليها المنتفجي لم تُبق لهم بارقة أمل في الدنيا إلا أطفأتها، لم يترحم على الشهداء.

ولم يدع للجرحى بالشفاء، لم يعتذر للعراقيين عن جرائمه التي طالت مدن العراق كلها، لم يطأطئ رأسه خجلًا مما اقترفته حكومته من موبقات وجرائم وأخطاء وخطايا بحق العراقيين، لم يقر بالفشل، نسي أو تناسى تعهداته بمحاربة الفساد، وكشفه عن وجود آلاف الملفات الواجب حسمها، والتي تحولت إلى قرضة تنخر كيان الدولة، تجاهل أن ثمة طرف أطلق عليه «الطرف الثالث» كان يقتل ويختطف المتظاهرين دون علم الحكومة وأجهزتها!

كانت خطبة الوداع التي ختم فيها عبد المهدي ولايته الحكومية الأسوأ في تاريخ العراق، مليئة بالاستفزازات والافتراءات والأكاذيب، بل كانت خلاصة موجزة لعقده وأمراضه التي رافقته طيلة ستة عقود من العمل السياسي والحزبي.

نقل فيها المنتفجي خدماته من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين لينتهي به المطاف مليارديرّا متخما بالمال السياسي الذي غرف منه غرفًا على حساب المعوزين، والجائعين، والمساكين، وأبناء السبيل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد