عرف في اليونانية القديمة باسم إيجيبتوس ومنه تستمد مصر اسمها، بعمر يناهز الثلاثين مليون عام، وجسد مترهل بطول 6695 كم؛ يمتد أطول أنهار الدنيا، وأقدمها وأحد أندر الأنهار الكبرى التي تجري من الجنوب للشمال، من منبعه في روفيرونزا (Ruvyronza) في بوروندي؛ يمر بإحدى عشرة دولة تمثل 29.6% من مساحة القارة؛ فيما يحيا على ضفافه ما يزيد عن 42.5% من سكان تلك القارة، كما أنه يضم بين دوله ثلاثة من أعلى معدلات الزيادة السكانية في العالم (أوغندا الثالث، إثيوبيا التاسع والكونغو الديموقراطية العاشر)، كما يضم اثنين من أعلى ثلاث دول؛ من حيث معدلات السكان في القارة؛ وهي مصر وإثيوبيا، وكلاهما تجاوز حاجز المئة مليون نسمة، وبينهما تجدد صراع قديم جديد على توزيع مياه النهر كان عنوانه هذه المرة سد النهضة.

إثيوبيا وتاريخ السد

للحقيقة فإن الحلم الإثيوبي «في العصر الحديث»؛ بإقامة سد كبير على النيل الأزرق تعود لبدايات القرن العشرين؛ وتحديدًا في عام 1933م؛ حينما عزمت الشركات الأمريكية على إقامة سد على بحيرة تانا كبرى بحيرات إثيوبيا ومنبع النيل، مما أحدث جلبةً في الشارع المصري أجبر الحكومة البريطانية «المحتلة لمصر والسودان آنذاك» على التدخل، وإلغاء المشروع؛ لكن الاهتمام الإثيوبي لم يتوقف، حتى إنه بمجرد إعلان الحكومة المصرية نيتها عام 1958م، عن إنشاء السد العالي دون الرجوع إليها –  بما يخالف الاتفاقيات السابقة- حجةً كافيةً لكي تطلب إثيوبيا من الولايات المتحدة في العام نفسه، إجراء مسح للمواقع التي تصلح لإقامة سدود، لتنتهي الدراسة عام 1964 بتحديد أربعين موقعًا كان من ضمنهم الموقع الحالي للسد، غير أن إرسال عبد الناصر وزير الخارجية المصري للإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي، كان كفيلًا بنهاية مؤقتة للأزمة.

لم تترك إثيوبيا الفرصة، عقب إعلان الرئيس السادات بدأ مشروع لاستصلاح 35 ألف فدان في سيناء، حتى هدد الرئيس الإثيوبي «منجستو ماريام» مرةً أخرى بإقامة السد، غير أن السادات اعتبر مجرد بدء المشروع هو إعلان حرب، وسترد مصر عليه عسكريًّا، ولم يختلف الأمر كثيرًا مع وصول الرئيس مبارك للحكم عام 1981م؛ إذ أعلنت إثيوبيا رفض الاعتراف باتفاقيات 1929م، و1959م، الضامنة لحصة مصر في المياه، غير أن مبارك صرح بأنه لن يتوانى عن إقامة قاعدة عسكرية مصرية في السودان، في حالة بدأت إثيوبيا فعليًّا في البناء سد كبير.

حقبة مبارك

على النقيض من تصريحاته، غض نظام مبارك الطرف عن سد فيشا؛ والذي يقتطع نصف مليار متر مكعب من حصة مصر السنوية؛ والذي جرى تشيده بتمويل من بنك التنمية الأفريقي، ودعم هندسي لا محدود من إسرائيل؛ والتي ساعدت إثيوبيا في بناء 25 من أصل 37 سدًا؛ تم تشيدهم خلال حقبة مبارك، كان من على النيل الأزرق: سنيت وسد خور الفاشن وكلاهما يقتطعان 4.5 مليار م3 من مياه مصر وسد البيبو 2.8 مليار م3، وكان آخرها سد تكزه بسعة تخزينية 9.2 مليار م انتهي من تشييده 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009 دون الرجوع لمصر. كل تلك الاستقطاعات والتهاون المصري في حقبة مبارك جرأ إثيوبيا على عمل مسح استمر لقرابة عام من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 لموقع بولاية بني شنقول- قماز على بعد يتراوح بين 20-40 كيلو من الحدود السودانية لإقامة المشروع X الذي سيعرف لاحقًا بسد النهضة، لتخرج علينا في أبريل (نيسان) 2011 ساهلورك زودي الرئيسة الإثيوبية، لتعلن وضع حجر الأساس للسد بهدف «تحطيم الفقر الذي قاتلته البلاد على مر السنين».

الغرض من السد

أجملت الرئيسة الإثيوبية الغرض من تشييد السد بالمنافع الاقتصادية المنتظرة، وتحويل البلاد لمركز إقليمي لتصدير الكهرباء لجميع جيرانها، فالسد من المنتظر، حسب الإثيوبيين، أن ينتج قرابة 6450 ميجاوات من الكهرباء، وذلك عبر احتجاز 74.5 مليارم3 من المياه في بحيرة السد تمر من خلال 16 توربين، واستطاع رئيس الوزراء حينها ميليس زيناوي إسالة لعاب الجماهير في خطاباته المتكررة، والتي تحدث فيها عن العوائد الاقتصادية والسياسية من الكهرباء التي سوف يتم تصديرها من السد الجديد، فإثيوبيا كانت بالفعل قد نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء منذ سنوات عبر إنتاج نحو 4625 ميجاوات بفعل إنشاء العديد من السدود كمجموعة سدود جيبي، وتاكيزي، وهاليلي والعديد من محطات الرياح بل قامت بتصدير نحو 190 ميجاوات منها حاليًا إلى السودان بنحو 100 ميجاوات، ولجيبوتي نحو 80 ميجاوات، ولكينيا بنحو 10 ميجاوات سيتم رفعها لـ400 ميجاوات بمجرد الانتهاء من خط الربط الكهربي بين الدولتين.

تتحدث الحكومة الإثيوبية دومًا عن خططها لتصدير الكهرباء لتنزانيا، وبوروندي، ورواندا، ومصر عبر خطة خمسية تهدف لإنتاج 17 الف ميجاوات يتم تصدير الفوائض للخارج بعوائد دولارية، فالدولة رغم نجاحها خلال العشر سنوات الماضية في تحقيق معدل نمو قياسي تجاوز 10% سنويًّا، فإنها ما تزال تعاني من انخفاض الناتج المحلي 79.9 مليار دولار، بمعدل دخل سنوي 850 دولارًا للفرد، كما تعاني من عجز دائم في الميزان التجاري نتيجة تطبيق نظام سعر ثابت لعملتها 27.2 بير (Birr) إثيوبي للدولار؛ مما جعلها تعيش في دائرة مفرغة مع نقص العملات الصعبة؛ وهنا بدا كما لو أن الإثيوبيين قد وجدوا ضالتهم المنشودة.

الجدوى الاقتصادية

غير أن تلك الرؤية الوردية للمستقبل الواعد للسد لم تكن تمت للواقع بصلة، فذلك السد المشيد على الحدود السودانية، لن تكون له أي جدوى اقتصادية، والإثيوبيون يدركون ذلك جيدًا لأسباب عدة: أولًا لأن جميع الدراسات الإثيوبية ترتكز – في ظل ضعف الطلب والاستهلاك والقوة الشرائية لدول جوار السد «السودان وجنوب السودان» – على تصدير إنتاج ذلك السد تحديدًا لمصر بصفتها السوق الوحيدة القادرة على استهلاك 6 آلاف ميجاوات وهو ما يستحيل عمليًّا حاليًا؛ فمصر نجحت في السنوات الخمسة الأخيرة في جذب استثمارات هائلة في قطاع الطاقة الكهربية تحديدًا، وحققت فائض إنتاج يقارب ضعف الاحتياجات بواقع 25 ألف ميجاوات، بخلاف عشرات المشروعات التي ما تزال قيد التنفيذ، يتوقع لها إنتاج ما يزيد على 20 ألف ميجاوات خلال سبع سنين.

وهنا قد يتساءل سائل وما المشكلة فما يزال هناك بدائل: يمكن لمصر – والتي بدأت بالفعل في مشروع للربط الكهربي مع السعودية وأوروبا عبر قبرص وعبر توقيع اتفاق مع شركة يورو أفريكا القبرصية لإنشاء وتشغيل خط الربط الكهربى في 23 مايو (أيار) 2019 في إطار سعي مصر للتحول لمركز إقليمي للطاقة – من إعادة تصدير الكهرباء الإثيوبية المنتجة من السد، غير أن تلك الاحلام تتحطم على صخرة واقع أن كلا المشروعين لا ينتظر لأي منهما تصدير أكثر من 3 آلاف ميجاوات، وبالتالي فما تزال مصر تملك فوائض ضخمة جدًّا قد لا تنجح في استغلالها إلا عبر جذب استثمارات ضخمة قد لا تلوح في الأفق قريبًا؛ وجدلًا لو أقدمت مصر على تصدير الكهرباء الإثيوبية عبر شبكتها لأوروبا فإن الفاقد نتيجة بعد المسافة، مضافة إليه رسوم العبور عبر الشبكة السودانية والمصرية، سيجعل من ذلك التصدير بعيدًا كل البعد عن الجدوى الاقتصادية.

إذًا فماذا عن إمكانية استغلال الإنتاج محليًّا أو التصدير لدول الجوار الإثيوبي، والتي تشهد طلبًا متزايدًا كجيبوتي، وأوغندا، وتنزانيا، وكينيا؟ الحقيقة فإن موقع السد على الحدود السودانية يجعل ذلك الأمر مستحيلًا أيضًا: محليًّا تحتاج إثيوبيا لمد أبراج الضغط العالي عبر 900 كيلو متر تفصل موقع السد عن مناطق الاستهلاك وإعادة التوزيع بالقرب من أديس أبابا ومدن محيط بحيرة تانا، حيث الثقل الاستهلاكي للدولة، كما أن شبكة الكهرباء الإثيوبية لا تتحمل أكثر من ألف ميجاوات أخرى وإلا سوف تتعرض لانهيار حتمي، ولتجنب ذلك فعليًّا وتوسعة طاقة الشبكة يستدعي استثمار مليارات الدولارات وقرابة 30 عامًا طبقًا للدراسات التي أجراها الإثيوبيون أنفسهم، وهو ما يستحيل عمليًّا؛ بخاصة بسبب ضعف الاستهلاك المحلي، ووجود العديد من مشاريع الطاقة المائية الأخرى التى ما تزال قيد التنفيذ.

أما التصدير لجيبوتي فإن الدولة الإثيوبية بحاجة لمد خطوط ضغط عال عملاقة لمسافة تزيد عن 1800 كم تقل لـ1600 في حالة إريتريا، وهما الأقرب من موقع السد، وهو ما يستلزم 2.5 مليار دولار على أقل تقدير تضاف لـ5.5 مليار دولار تكلفة تشييد السد لتصدير الكهرباء بسعر يتراوح بين 8-12 سنتًا للكيلوات، وهو ما يجعل الأمر منعدم الجدوى الاقتصادية؛ أما عن التصدير لكينيا وتنزانيا وأوغندا فيستلزم إنشاء خطوط ضغط عالٍ في جنوب السودان ذي الطبيعة الوعرة، من مستنقعات وغابات، وحروب أهلية متجددة، ومسافات أبعد، وبالتالي فمجرد التفكير في الأمر سيكون عبثيًّا، وهو ما أكده الخبير الإثيوبي المتخصص في السياسات المالية الإثيوبية، إيزانا كيبيدي في مقاله المنشور بتاريخ 30 مارس (آذار) 2015 بعنوان «تمويل سد النهضة».

مزيد من الفشل الكارثي

عبثية المشروع لم تتوقف عند ذلك الحد، فصبيحة اليوم الأول من شهر أبريل خرجت علينا صحيفة «أديس فورتشن» الناطقة بالإنجليزية – نقلًا عن السيد كيفلي هورو مدير المشروع – لتعلن أن إثيوبيا قامت رسميًّا بتخفيض عدد التوربينات إلى 12 بدلًا من 16 كانت مقررة، لن يتجاوز إنتاجها حاجز ألفي ميجاوات بأي حال، وهو ما سبق وحذر منه أصفو بيني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان دييجو الأمريكية، الذي ينشره موقع الأنهار الدولية على شبكة المعلومات الدولية بعنوان «سد إثيوبيا المبالغ في حجمه»؛ مما يجعل السد غير قادر على تغطية التكلفة الاستثمارية لإنشائه وتكاليف الإدارة والتشغيل والصيانة – هذا في حالة نجاح الدولة الإثيوبية في تصريف إنتاجه-في مقاله حذر بيني أيضًا من حجم اليد المبالغ فيه جدًّا، ومعامل أمانه المنخفض الذي يعرضه للانجراف مع أي فيضان غزير يقترب من مائة مليار متر مكعب، وهذا وارد الحدوث مرة أو مرتين كل 20 سنة.

ومع كل هذا فما تزال الدولة الإثيوبية متمسكة بالمشروع حد تهديد رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد بالحرب في حالة مساس أحد بالسد؛ مما يطرح سؤالًا ملحًّا عن الغرض الحقيقي من ذلك السد؟ ومع انتفاء المبرر الاقتصادي تكمن الإجابة في الطرف الآخر من النهر: فإثيوبيا تاريخيًّا دأبت على استخدام النهر كأداة ضغط على مصر وتواترت الروايات «لا يمكن الجزم بصحتها» عن مسئوليتها عن الشدة المستنصرية الشهيرة، غير أن خطاب ملك الحبشة «جبره مصقل» في القرن الرابع عشر المرسل للسلطان قلاوون يهدده فيه بقطع النيل ثابت في التاريخ، وهو ما تكرر أيضًا من الملك الحبشي زرء يعقوب بعدها بقرن من الزمان.

فما يزال العقل الجمعي الإثيوبي يحتفظ بصورة عن مصر تلك الدولة الاستعمارية التي قادت ثلاث حملات في عهد الخديوي إسماعيل لغزو بلاد الحبشة، انتهت جميعها بالفشل، وهو ما يؤكده تصريح زريهون أبي، أحد أعضاء الفريق الإثيوبي في المفاوضات مع مصر والسودان، إن مصر تحاول فرض تكتيكات عقيمة لإحياء رغبتهم الاستعمارية على مر السنين. وأضاف في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية، مساء الرابع من أبريل الماضي: «إنهم (المصريون) يعتقدون أنه يمكنهم فرض رغباتهم الاستعمارية على دول المنبع، ويريدون جعل إثيوبيا والدول الأخرى تحت مستعمراتهم»؛ في ذلك السياق فقط يمكننا تفهم شروع إثيوبيا على بناء ثلاثة سدود أخري على النيل الأزرق هي: «أبو، ومندايا، وكارادوبى» لتصل الطاقة التخزينة لـ200 مليارم3 تكفل لها سيطرة تامة على مياه النهر، وتكفل لها ولداعميها إخضاع مصر وربما إسقاطها، ما لم يكن للدولة المصرية رد فعل يواكب خطورة الحدث.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد