لمحة عامة عن فترة حكم عمر بن الخطّاب

بعد وفاة أبي بكر بويع عمر بن الخطّاب بناء على وصيّة من أبي بكر. والملاحظة الأولى التي نستخرجها من فترة حكمه هي  أنه لم تقم أي مناسبة للفتنة بسبب شخصية عمر المتشدّدة والحازمة، ومع ذلك لم يكن بعيدًا عن روح الشورى، عكس بقيّة الخلفاء، فخطّة اكتساح بلاد الفرس على سبيل المثال كانت نتيجة مشاواراته مع الأحنف بن قيس.

عمر بن الخطّاب على عكس ما يتم الترويج له، كان لا يمتلك نزعة دينية مفرطة، وليس رجلًا دينيًا مثلما يدّعي المؤرخون المسلمون، لقد كان قائدًا عسكريًا وسياسيًا، وداهية محنّكًا، وليس في هذا إهمال لعاطفته الدينية، لكن هذه العاطفة لم تكن تتغلّب على تكتيكاته ودهائه ومحاولاته في التوفيق بين مقاصد الشريعة الإسلامية والفترة التاريخية لحكمه.

كانت اختيارات عمر بن الخطّاب للقادة العسكريين والولاة على الأمصار والبلدان المفتوحة، تحاول أن تجمع بين النزاهة والكفاءة، لكن قلّما اجتمع هذان العاملان عند المسلمين، لكن في كل مرّة يقوم بإسقاط شرط النزاهة لصالح الكفاءة، ويكشف التاريخ الإسلامي عن مؤهلات إدارية وعسكرية لدى أشخاص لا يعرفون بالنزاهة مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، بل واستعان عمر بالكفاءات غير المسلمة لإدارة العراق ورفع عنهم الجزية.

الحملة على مصر.. نشر للإسلام أم غزو من أجل مصالح اقتصادية واستراتيجية بحتة؟

كان عمرو بن العاص يرحل إلى مصر للتجارة فيها وذلك قبل الإسلام، فلمّا زار الخليفة عمر بن الخطّاب الشام لقسمة المواريث بعد طاعون عمواس، اختلى به عمرو وقال: ائذن لي أن أسير إلى مصر، فإنا إن فتحناها كانت قوّة للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالًا، وأعجزهم عن القتال. يعني أن كلام عمرو بن العاص واضح جدًّا وهو غزو مصر من أجل استغلال قدراتها الاقتصادية والبشرية في خدمة الاحتلال العربي لآسيا والشام، فأين نشر الإسلام هنا؟ لكن عمر بن الخطّاب تخوّف من ذلك وقال: هذا تغرير بالمسلمين لأن حسبه أن قدم المسلمين لم ترسخ بعد في البلاد التي احتلّوها قبل غزو مصر، فقد كانت جيوشهم موزّعة في الشام والعراق وأرمينيا وغيرها وقد أفنى الطاعون جيوشًا إسلامية بأكملها، وما زال عمرو بن العاص يحرّضه على فتح مصر لديه ويعظّم من أمرها ويهوّن فتحها عليه حتى ركن إلى قوله وأذن له في المسير، لكن لماذا تراجع عمر بن الخطّاب في آخر لحظة؟ لا يجب أن ننسى أن فترة غزو مصر تزامنت مع عام الرمادة عند المسلمين وهو العام الذي شهد فيه المسلمون في المدينة وما حولها موجة جوع وقحط شديدة، وهو ما يفسر موقف الخليفة عمر عندما طلب الغوث زمن الرمادة من والي مصر عمرو بن العاص، فعرض عليه إعادة حفر قناة سيزوستريس لإيصال المعونة، لكن ذلك سيعني خراب مصر عدة سنوات، فقال عمر قولته المشهورة: «اعمل فيها وعجل، اخرب مصر في عمران مدينة رسول الله»، لم يكن المصريون من رعية عمر، إنما هم مجلب الفيء للأمير ورعيته، وخراب مصر في عمار مدينة رسول الله تم اعتباره قربانًا إلى الله.

لقد كان الهدف من الاحتلال هو ضمان تمويل الجيوش العربية بالطعام والرجال والمال اللازم، فقد سجّل التاريخ أن مدينة الإسكندرية على سبيل المثال كانت آهلة بالسكّان، ويقصدها الناس من كل فج عميق للإقامة فيها وكانت تموّل روما بالأغلال، حتى أصبحت هي المدينة الثانية بعد روما في الإمبراطورية الرومانية، ورغم الاحتلال الروماني فقد كانت منارة للعلم والفلسفة والتمدّن، لكن كانت الأرياف المصرية تعاني بسبب سلب المحاصيل من طرف الرومان، لذلك كان الأهالي مستعدّين على الدوام للقيام بثورة ضد الرومان، وهذا يفسّر تعاون سكّان مصر مع الغزو العربي ضد الرومان، على أمل في الحصول على الحريّة، لكنهم لم يعلموا أنهم فتحوا الأبواب لغزو آخر أشدّ وأخطر من الرومان.

إن ما فعله العرب لم يكن إلا تطبيقًا لقواعد عصرهم، وليس للإسلام هنا أي دخل في الموضوع، فقد كانوا يرغبون في السيطرة على بقية العالم، لذلك لا فرق بين ما قام به العرب وبين الغزوات الصليبية، التي جاء قادتها يدّعون الرغبة في استعادة بيت المقدس من الكفّار المسلمين، ورفعوا راية الصليب، بل وتم الضحك على الإنسان الأوروبي الفقير آنذاك بوعود الجنّة والخلاص والحياة الأبدية، فجاء الغزو العربي بخلفية استعمارية تخفّت بالقرآن ونشر الإسلام واختراع الأحاديث المنسوبة للرسول والخرافات من أجل تحفيز الإنسان العربي البدوي الذي يهوى الحرب والسبي والنهب، فتم تحريف رسالة الإسلام الحقيقية العالمية، واختفى إسلام لا إكراه في الدين ولكم دينكم ولي دين، وبقي أمامنا إسلام الجزية وحد الرّدة والتكفير وقطع الرقاب والسحل والرمي من شواهق الجبال وإحراق الزنادقة داخل الأخاديد، فظهر من الفقهاء من يخلط بين طريقة حكم الرسول وغزواته المدعومة من الوحي وبين حكم البشر، فأصبح الرسول والصحابي في منزلة واحدة، والسبب أن فور موت الرسول تم خلافته من طرف صحابي، فما بالك بالعامة الذين يخلطون بين حروب الرسول التي كانت دفاعًا عن الدين الإسلامي حديث العهد وأتباعه المظلومين المضطهدين، وبين غزوات الصحابة والتابعين والأمويين والعبّاسيين والفاطميين، التي كانت على بلاد غريبة عنهم لم تعتد عليهم. وكل هذا من أجل المال والسلطة وامتلاك الجواري وإلهاء المعارضة السياسية الداخلية، فتسببوّا بتخريب بلدان بأكملها وإسقاط حضارات بأسرها، لقد صدقت الملكة الأمازيغية «ديهيا» التي قالت للأمويين الغزاة «إن كنتم حملة رسالة ربّانية فاتركوا لنا الرسالة وعودوا إلى دياركم» فلا هم تركوا الرسالة ولا هم عادوا إلى ديارهم.

لذلك على الفقهاء المسلمين التوقّف بل والسكوت عن الحديث حول الحريّة ومحاولة ربطها بالفتوحات، لقد سجّل الطبري الفقيه السنّي المتعصّب وقائع فتح مصر الواضحة التي لا تقبل التأويل، ثم يأتي الفقيه الفلاني ويرمي بكل الحوادث التاريخية وراء ظهره ليقول إن هذه الفتوحات لم تكن غزوًا واستعمارًا بل نشرًا للإسلام وتخليصًا لأهل البلدان من الاحتلال، فكانت هذه الحملات ذات أهداف إنسانية نبيلة، فيبدأ المرء بالتشكيك في أن العلمانيين والليبراليين هم من اخترعوا الثلاثي المشهور «الإسلام أو الجزية أو القتال» وهم من ابتكروا حد الرّدة! ودفع أهل الذّمة لأضيق الطرق، ومنعهم من بناء منازل تعلو على منازل المسلمين، فلو كانت الفتوحات الإسلامية هي من أجل نشر الإسلام، لماذا لم يأخذ الفاتحون معهم أئمة وعلماء القرآن ورواة الأحاديث ليبشّروا بدينهم الجديد وليناظروا كهنة أديان البلدان المحتلّة؟ لماذا إذن نذكر «خالد بن الوليد» و«عمرو بن العاص» كلّما أثير موضوع الفتوحات الإسلامية عوض ذكر من نشروا الإسلام بطريقة إنسانية ودون قتل وتخريب؟ ألم يكن هؤلاء القادة هم قادة السيف وليس قادة الكلمة والقلم والحجّة؟ أليست غزوات المسلمين بعد الرسول حملت شعار «الإسلام أو الجزية أو القتال»؟ هل يستطيع دهاقنة الإسلام وكهنته أن يذكروا لنا اسم أي مناظرة بين المسلمين وأهل البلدان المحتلّة قبل احتلالهم بدل الافتخار بشعار الإسلام أو الجزية أو القتال؟

عندما نتحدّث عن الخلافة والفتوحات يجب أن نتحدّث عنها بالسياسة وليس بالدين، فليس للغزوات الإسلامية أي علاقة بالتوحيد والإيمان والرسل والملائكة وهذا الخلط الشنيع أدى بنا إلى الإرهاب الذي لم يسلم منه حتى غيرنا بل وحتى الإرهابيون لم تسلم أنفسهم منه إذ يتقاتلون بينهم ويسفكون دماء بعضهم البعض على صغائر الأمور، والذين يقولون إن لولا هذه الفتوحات لما عرفنا الإسلام، هذا يعني أن لولا السيف لما انتشر هذا الدين، فلماذا نلوم غير المسلمين على اتهامهم لنا بالإرهاب والدموية؟ إن بمجرد ذكر هذه الغزوات إلا ويعتري ذلك جرائم وفتن متعاقبة لم يسلم منها أحد، رغم أن الإسلام لم يدعُ إلى الغزو والقتل ونسبة ذلك القتل إلى الله عز وجل بل دعا إلى الدفاع عن الإسلام والمسلمين وقت الاعتداء عليهم، إن الأديان لم تأت لكي تغزو وتنهب وإلا كانت أديانًا مزوّرة، إن غاية الأديان هي مصلحة الإنسان والحفاظ على وحدة البشر وأمنهم، والحفاظ على ثوابتهم الأخلاقية، لكن يبدو أن قدرنا نحن المسلمين هو طمس تاريخنا والتستّر عليه خوفًا من أن يقال عنّا ما لا نريد سماعه ويحرجنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ الطبري ( الجزء الثاني / ص 512 )
تاريخ خليفة بن خياط ( ص 142 )
المنتظم ( الجزء الرابع / ص 291 )
الفاروق عمر بن الخطّاب / محمّد رشيد رضا
عرض التعليقات
تحميل المزيد