قد يكون الموت علينا حقًا، لكن ليس لنا على قلوبنا سلطان، فالموت كما يقول محمود درويش لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء.

دعني أقص عليك قصة حدثت لي منذ أربعة عشر عامًا، كانت في أول يوم لي في المدرسة ولأن أول الأشياء لا تنسى فلم أزل أذكر جيدًا ذلك اليوم والوحدة تملؤني والخوف يتملكني، جلست حينها في آخر مقعد وجاء هو وجلس بجانبي، وبعد دقائق نظرت إليه فإذا به يأكل بري القلم، ويظل يبري القلم ويأكله في منتهى التلذذ، سألته حينها لماذا تأكله فأجاب بكلمة واحدة: أحبه.

كان اسمه جراح، بمرور الوقت أصبحنا أصدقاء، أخبرني أن أباه يحلم أن يراه جراحًا حينما يكبر لذا سماه جراح، وفي يوم وهو يأكل البري أخبرني وعيناه تلمعان، هل أخبركِ بسر؟ أنا مصاب بالسرطان، لم أفهم بالطبع حينها ما ذلك، لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أفهم.

في الأيام التالية بدأ يتغيب كثيرًا، وحينما يأتي يظل صامتًا ينظر إلى الفراغ وحينما سألته عن سبب تغيبه نظر لي طويلًا بحزن ولم يرد، لكن تلك الجذوة في عينيه كانت قد انطفأت.

بعد شهور من ذلك المنوال، تغيب كثيرًا أكثر من المعتاد، استجمعت شجاعتي وذهبت لأسأل المعلمة عنه فلم ترد لكنها نظرت إلى زميلتها وهمست في أذنيها وترامت إلي حينها كلمة واحدة عنه، فليصبر الله أبويه، لم أفهم وظللت أنتظره لكنه لم يأت أبدًا وظل مقعده بجانبي خاليًا وخيال وحدتي منعكسًا عليه، إلى أن انتهى العام.

أيكون للقدر حكمة في أن زار ذلك الشاب المدافن فإذا به يرى رجلًا يمسك بوردة بيضاء ويقف أمام ذلك الشاهد ذلك اليوم فيخط الشاب ما سمعه من العجوز: أنا الذي لم يعرف الحزن طريقًا إلى قلبي، تذوقت مرارته ببعدك، شتان بين أن تملك قلبًا وأن تشعر به، أن يكون مسلمًا لديك أنه ينبض وبين أن تشعر بتلك النبضة، لطالما ظننت أن روحي كاملة وأنني سعيد ومنذ أن رأيتك أدركت أنني كنت كسماء بلا قمر، كالغاب بلا شجر، علمت أن قلبي كان كطفل ووجودك بجانبي أشعره بالأمان أنتِ ربيع قلبي، كالشمس كنتِ تدفئين نفسي، لم تموتي كما يقولون أنتِ حية ودائمًا حاضرة معي، دائمًا أحكي لأحفادنا كيف التقينا وأذكر أبناءنا كم أننا أفضل زوجين في العالم، وشرع قائلًا هذه الأبيات:

دَينٌ.. وهذا اليومُ يومُ وفاءٍ

كم منَّةٍ للميْتِ في الأحياءِ! 

 إن لَم يكن يُجزَى الجزاءَ جميعَه 

فلعلَّ في التذكار بعضَ جزاءِ 

يا ساكنَ الصحراء منفردًا بها 

مستوحشًا في غربةٍ وتنائي 

هل كنتَ قبلًا تستشفّ سكونَها  

وترى مقامَك في العراء النائي 

فأتيتَ – والدنيا سرابٌ كلها 

تروي حديثَ الحبِّ في الصحراءِ

الكثيرون ممن أخذت منهم الأقدار عزيزًا ما زالوا يتجمعون في ذكرى وفاتهم، ما زالوا في الأعياد يزورون قبورهم وما زالوا يشكون إليهم في وحدتهم ويبثون إليهم أشواقهم في دواخلهم. لقد ماتوا بأجسادهم لكن ذكراهم لا تزال حاضرة، وأرواحهم لا تزال باقية.

لا أحد يموت حقًا حينما ندفنه، إنهم يموتون حينما ننساهم. حينما يسقطون من ذاكرتنا ويصبحون في طي النسيان.

من المحزن حقًا أن تكون بعض الفواجع الإنسانية محررة للإنسان من كل خوف من الغد بعدها‏.‏ ولقد قيل لأعرابية مات ابنها ما كان أحسن عزائك فقالت‏:‏ إن فقدي إياه قد آمنني كل فقد سواه،‏ وأن مصيبتي به قد هونت علي كل المصائب بعده‏.‏

فتمسك بالحياة التي لا مفر لنا من أن نحياها سعدنا فيها أم شقينا،‏ وأعن نفسك على تجاوز المحنة بالأمل الذي لا يخيب في رحمة ربك.

فلنترجم أشواقنا لهم على هيئة دعاء، ولنحول ذكرياتنا معهم إلى قصص تحكي عنهم، إنني أدعو الله أن يداوي القلوب المتألمة ويسعد الأنفس الحزينة، ويصبر الأنفس الثكلى، وإلى كل من غادره عزيز وحرمته الأقدار من شخص قريب إلى قلبه في الحياة فلا تتجرع من القنوط كأسًا فربما في الجنة ملقاكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد