حتمًا سوف تصاب بالإعجاب الشديد والدهشة لما وصل إليه الإنسان من إبداع في العمارة وتكنولوجيا الإنشاء التي تزداد رُقيًا كل ساعة.

تحايلنا على البيئة بظروفها المختلفة، يمكنك الآن أن تبني منزلك في الصحراء أو في عرض البحر أو حتى في قاع المحيط، ستستطيع أن تبني مدينتك على منحدرات الجبال وسط شلالات المياه أو على أرض أكثر الأماكن عُرضة للزلازل.

وأول ما ندرسه نحن طلاب كليات العمارة أن كيف تبني مسكنًا يناسب حياة الإنسان واحتياجاته يحترم حقه في الراحة والأمان وأن يراعي فيه عدم الإضرار بصحته من حيث التهوية الجيدة وتعرضه لأشعة الشمس والحرارة وغيرها.

وفي الوقت نفسه الذي نتعلم فيه كل هذه المبادئ والأساسيات الضرورية لبناء مسكن يحترم الإنسان ويحترم البيئة، تتعجب كيف أن ما زال هناك بشر يتخذون من المقابر بيوتًا ومن العشش والأزقة تحت الكباري ووسط مستنقعات الصرف الصحي، يعيشون في مبانٍ يسقط منها واحد تلو الآخر.

هؤلاء الناس يفتقرون لكل المعايير الواجب توافرها في مسكن يليق بالإنسان.

فلا راحة ولا أمان ولا صحة.

قالوا لنا في الجامعة إن المسكن يعني المكان الذي تسكن فيه وتصاب بالطمأنينة والراحة والسكون.

أي سكينة تلك في المقابر وسط الموتى؟!

نعم إنه سكون ليس بعده سكون، إنه سكون أموات ليس أحياء!

يا أستاذي الجامعي، كيف ستدخل الرياح المحببة إلى أخي هناك في المقبرة؟

أو كيف سيستمتع بدخول الشمس إلى غرفته في الساعات الأولى من النهار؟

أهذه المقبرة معزولة جيدًا يا أستاذي من الحرارة أو الرطوبة؟ أم معزولة عن الحياة كلها؟!

وكيف حال الحمام والمطبخ؟ أين يقضون حاجتهم يا أستاذي؟ وأين يطبخون طعامهم؟ وهل لديهم طعام؟

لم تخبرني أستاذي عن هذا كله!

يا أستاذي إنهم لا يملكون أقل حق لهم في أن يسكنوا ويبيتوا في مأوى يناسب آدميتهم وإنسانيتهم.

ماذا سأقول لذلك الطفل الذي سوف ينشأ في تلك المقابر؟

كيف سأواري وجهي منه عندما يسألني: لماذا تبني القصور ولا تبني لنا بضعًا من القبور لنعيش فيها؟

أعلم جيدًا كيف سأبني القصور والعمارات السكنية الرائعة، لكنك لم تخبرني كيف أبني مقبرة لهؤلاء الموتى؟!

لقد ظلمنا أنفسنا كثيرًا على مدار تاريخ البشرية، ظلمناها عندما تجاهلنا احتياجات الآخرين ورغبتهم في أن يعيشوا الحياة مثل ما نعيش ونحيا.

وليت المصيبة مستقرة على حالها، فسكان المقابر في تزايد مستمر على مر السنين.

فأول إحصائية عن سكان المقابر عام 1898 بلغ عددهم 35 ألف نسمة، وفي تعداد 1947 بلغوا نحو 69 ألفًا، وفى عام ١٩٦٦ وصل عددهم إلى (٩٧) ألفاً.

أما فى عام ٢٠٠٨ زاد عددهم ليصل الي (١.٥) مليون نسمة حسب الإحصائية الصادرة عن الجهاز المركزى للمحاسبات ،يعيشون فى مقابر السيدة نفيسة ومقابر النصر والبساتين والتونسى والإمام الشافعى وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثى، وجبانات عين شمس ومدينة نصر. وأخيراً وصل عددهم إلى ٢ مليون مصرى.

و إلي متي ؟

كل هذا الإبداع و الابتكار و الانتصار ما هو الا نصر زائف و انتصار للعنصرية المتأصلة في نفوس البشر و تزييف للحقيقة و خداع للنفس و محاولة لغض الطرف عن الحقيقة

طلما هناك من لا يزالون يعيشون في مقابر الموتي او في وسط تلك البرك و المستنقعات لا تحدثني عن أي ناطحة سحاب أو قصر مَشيد.

حدثني عن طفل يولد ليعيش في مقبرة لم يطأها قدم غيره الا و هو ميت..
أتظن أنه سوف يصبح رائد فضاء ؟!!!!
كيف و انه لم يَرَ يوماً طائرة ؟!

و أخيرا يا استاذي ..

ما هو أنسب مكان لحمام الضيوف في تصميم المقابر السكنية ؟؟!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد