الفراغ، هو الفسحة من اللاشيء، لعلنا نقنع أنفسنا بوجود امتلاء في هذا الفراغ السحيق، العريض، الشاسع، ونحن لم يصل بيننا وبين الامتلاء واصل، نحن نبتة لم يسقها زارع؛ فهي نبتت في أرضه رغمًا عنه ولا يستطيع اجتثاثها لأنها ممسكة لآخر أمل بالأرض والحياة، وإذا اجتثت حملت ملامحها التعبير نفسه كملامح الميت الذي لم يعد قادرًا على تغييرها.

نحن الأفكار الجديدة، المتمردة، الزاعقة في القديم الراسخ، التالف، الراكد، غير القادر على تحويل ملامحه إلى صورة أقرب إلى صور الحياة، بل يعد نفسه مقياسًا لما نفعله على اختلاف الاتجاهات والبيئات التي نعيش فيها.

دائمًا أقول: إن التغيير الفكري عسير وبطيء للغاية ويأخذ أزمانـًا لينضج ويجد لنفسه واقعًا يغرزه، وستعيش وتموت أجيال حتى تستوعب المصلحة وراء هذا التغيير، وأنه ليس مجرد زعزعة لعقيدتهم الآمنة، أو لعل هدية من الأحداث تقع فيسير التغيير على أعناقنا وجباهنا بحدث أعظم يزيح القديم ويجلي عقولنا بحقائق تغيرنا ويطلعنا على ما لم نره، وما أقل الأحداث العظمى في حياة موتى لا يهتمون بالبيوت الساقطة من حولهم حتى يعصف الزلزال بيتهم فيحسوا أخيرًا ويفهموا.

أي فكر جديد قد يكون ضارًا – ولا أخص مثالًا ولا عنوانًا- ولكن إذا تفكرنا في تاريخ الشعوب والأمم وأزماتها وحتى تجاربك الشخصية ستجد أن التجربة خير مساعد ومرشد على معرفة فوائد سبيل وأضراره، أو لنكن أكثر ذكاءً ونتعلم من أخطاء غيرنا على مر التاريخ مع اعتبار اختلاف بيئاتنا ووضع تصورات موازية لما يمكن أن يحدث معنا.

ولِمَ لا يكون الامتلاء إلا من القديم؟! إنا نحب بناء حائط نرتكن إليه ونريح ظهورنا عليه بعد ذلك، وهذا هدف العاجز لأنه لم يتعود على التحرك بحرية وفرض كل الفروض المحتملة والتفكير والتفسير.

أحيانًا تتلبسك الحيرة فتجد عسرة في ترتيب أفكارك واتخاذ قرار، تسحب من عقلك مددًا فلا تجد سوى الفراغ، نقاطـًا وعناوين غير مرتبة تتنقل بينها بخفة وانسيابية من فكرة إلى أخرى حتى تجد نفسك تائهًا وقد هوت على رأسك المطارق من كل اتجاه.

أحيانا تتوقف أحاديث النفس في داخلنا، والأسوأ من ذلك أن يقال الكلام وتتناقل الأفكار بلا معنى، والجحيم أن تتحول هذه الأفكار إلى مارد ينفذ سطوته علينا فيتوقف العقل منفذًا بلا مراجعة.

أرى أن الفكر المرن الذي يسمع ويبحث ويجرب ثم يقرر نتيجة لبحثه هو الفكر المتمسك بالحياة ولا تتيبس ملامحه أو تموت أبدًا، ويستطيع إيجاد بيئة جديدة تستقبل جذوره بترحاب، وإن اجتُث أو انقطع، يدير كل الفروض الممكنة ويضع كل التصورات القريبة أو البعيدة القابلة للتخيل أو حتى الغريبة، فواقعك اليوم نتيجة لتصورات مجنونة وأفكار بعيدة في عصور أبعد.

وأرى أيضًا أن الامتلاء لا نحصل عليه أبدًا، فإذا أتاك الشعور به فاعلم أنك فارغ تمامًا وتصورت أن الحيز الضيق الذي تسعى فيه هو كل العالم، ومن هنا لن تقدر على رؤية مد البصر أو حتى تطلق عينيك له، وسترضى بما رضيت به وتفسد حياتك بتصورات وهمية في عالمك الضئيل وستمسك في ظلامك بحبل خيالاتك التي ما إن يطلع الصباح ستتلاشى وتتبخر.

الامتلاء يحدث حين نتواصل ونمتزج مع القديم والحديث، ندرسهما معًا بوعي ومحايدة ثم نأخذ الإشارة من عقولنا بقبول ما يناسبنا ونبذ ما يؤخرنا، والأهم من كل ذلك أن يكون فكرك مستعدًا للتغيير ويكسر جدرانه التي تسد امتداد البصر أمام عينيك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد