تطل علينا  الأيام بصرعة جديدة تسمى «اللايف كوتشينج» أي مدرب الحياة! يري البعض فيها امتدادا للتنمية البشرية التي أخذت وقتها في التوجيه المجتمعي نحو محاولة استخراج نمط ثابت من النجاحات الفردية ومن ثمَّ تعميمه ليصبح طريقة مضمونة للنجاح لكل من ينتهجه.

ورغم وضوح الوهم في هذا الأمر باستحالة استخراج نمط ثابت لتحقيق النجاح من التجارب الفردية لخصوصية كل تجربة  بظروف وملابسات لا تتكرر أو تتوفر للغير بالإضافة إلى استحالة تحقق النجاح لكل من يسعى بنفس الطريقة وإلا لم يصبح الناجح نموذجا تتجه إليه الأنظار!

أما اللايف كوتشينج فهو ثوب جديد، فهو شخص جاء ليدربك على أن تحيا بإيجابية يخبرك ابتداء بأنه لا يملك عصا سحرية ليغير بها أحوالك أو إجابات لكل تساؤلاتك ولكنه سيساعدك على الوصول لهذه الإجابات بما يغير به حياتك.

ورغم ما تحمله الفقرة السابقة من تناقض جلي في أن من لا يملك الإجابات سيساعد غيره على الوصول لها بما يذكرنا بالشيخ حسني الكفيف الذي كان يقود رفيقه الكفيف الآخر في فيلم الكيت كات إلا أننا سنحاول أن نجاري الأمر ونتحسس طريقنا مع من لا يبصره وذلك بتخيل عميل من الطبقة المتوسطة في نقاش مع مدربه للحياة وصولا إلى تحقيق أحلامه.

المدرب: مرحبا بك، استرخ تماما ولا تشعر بأي حرج واعتبرني صديقا خياليا لا خوف من أن تفضي إليه بما يؤرقك، تكلم فيما يحلو لك، تكلم حتى أراك.

العميل بصوت خفيض: أنا خريج إحدى الكليات النظرية  وأعمل عملًا إداريا بإحدي الشركات وسني ثلاثون عاما وغير متزوج

المدرب: وَمِمَّ تشكو، أنت ما شاءالله إداري في شركة وغير متزوج، ثم يستطرد ضاحكا لا أقصد أن الزواج شر وإنما أنك خال من المسؤوليات.

العميل: مشكلتي أنني كنت أحلم منذ تخرجي بالعمل في إحدى الشركات العالمية لأحصل على دخلٍ مرتفع يعينني على بناء مستقبلي والانضمام إلى صفوة المجتمع من الناجحين.

المدرب: وما الذي يمنعك؟ فبالإصرار والعزيمة يمكن أن تحقق ما تتمناه.

العميل: أنا ولله الحمد أملك الإصرار والعزيمة إلا أني لم أوفق في تحقيق حلمي وما حملني إليك إلا بقايا عزيمتي وإصراري على طرق جميع السبل لتحقيق ما أصبو إليه.

المدرب: لقد أحسنت يا صديقي في الحضور ولكني يجب أن أعترف لك بأني لا أملك عصا سحرية ولكني سأشاركك البحث عن حلمك. بداية يجب أن تعلم أن كل مشكلة كبيرة هي تجمع من المشكلات الصغيرة فبحل هذه المشاكل الصغيرة تنحل العقدة الكبيرة، لذا لنجزئ مشكلتك إلى أجزاء لنصل إلى الحل.

أنت  لا تستطيع الالتحاق بشركة عالمية لأنك إداري خريج كلية نظرية، هذه مصيبة وليست مشكلة، فالكليات النظرية تلقي بأمواج من البشر إلى سوق العمل، ولكن الحل أن تتميز عن هذه الامواج، ومعيار التميز هو لغة العصر إجادة الكمبيوتر واللغة الإنجليزية، فما مستواك فيهما؟

العميل: أجدت الإنجليزية من خلال الدورات وكذلك الكمبيوتر ولكن للأسف لم يعيناني كثيرا فلقد تنقلت بهما من شركة إلى أخرى بنفس المستوى تقريبا إن لم يكن أقل.

المدرب: ربما كانت إجادتك لهما غير كافية

العميل: أعتقد أن مستواي مناسب فزميلي الذي عمل في فرع الشركة العالمية التي يعمل بها والده قد أشاد بمستواي في اللغة حيث لم يتبين الكثير من معاني الأسئلة في استمارة التقديم التي أحضرها لي، وحَمدَ الله أني أعرفها لكي لا أسبب له حرجا عند تقديمها لإدارة الموارد البشرية، فهو لا يريد أن يتوسط لغير ذوي كفاءة!

المدرب: هل بحثت بجدية؟

العميل: نعم، بعثت بسيرتي الذاتية لكل إعلان وقع تحت عيني! وحدَّثتُ كل من أعرف.

المدرب: قد تكون المشكلة في طريقة عرض سيرتك الذاتية، فطرق العرض تكون عنوانا.

العميل مقاطعًا: استخدمت نموذجا معدا من إحدى الشركات العالمية سدًا للذرائع، فأنا أؤمن بأهمية جودة العرض.

المدرب بعد أن يقوم متململا من وراء مكتبه عاقدا ذراعيه: لماذا لا نفكر يا صديقي خارج الصندوق

لماذا لا تنشئ شركتك وتعمل عملا حرًا، فتسعة أعشار الرزق في التجارة.

العميل: فكرت، إلا أن تكاليف البداية ردتني سريعا إلى رشدي، فأنا لا املك تكاليف البداية فكيف سأملك تكاليف الاستمرار !

المدرب يلقي بجسده على أقرب كرسي قائلا في إعياء: يا عزيزي لقد نفد مخزون فكري.

العميل: يا سيدي حاول لقد تكلمت حتى تراني، ألم تر أي حل  لمشكلتي؟ كيف وأنت من أنت في اللايف كوتشينج؟

المدرب: أصدقك القول يا عزيزي مهما تكلمت فلن أراك!

فأنا «كوتش» للعملاء الذين لديهم حياة واختيارات هم حائرون بينها، أما أنت فإنك تحتاج  ابتداء إلى «لايف». يا عزيزي في اللايف كوتشينج نحن لا نتحدث عنك أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد