لم تنطلق الاحتجاجات الأبرز في العراق منذ تأسيس نظامه الجديد وحتى الآن من فراغ، أو دون تضافر عدد من الأسباب التي ولّدت في لحظة غضب تظاهرة شعبية، أوصلتها ردة الفعل الحكومية والمجابهة بالعنف إلى ما وصلت إليه.

خلال الستة عشر عامًا الماضية مرت الدولة العراقية بمراحل ومشكلات انعكست تبعاتها على المواطن والدولة، فيما أسست الطبقة السياسية لنفسها منظومة تستنزف من خلالها خيرات البلاد وتستثمرها لمصالحها الشخصية.

هذا الاستنزاف الذي أدخل العراق في مديونية للعالم تتجاوز 85 مليار دولار، دون أن يلمس المواطن مقابل هذه الأموال أي تحسن في الخدمات، أو الإعمار، أو فرص العمل، وهذه المجالات الثلاثة كانت أهم دوافع الشباب العراقي للتظاهر.

يمكن القول بأن الآثار التراكمية للاحتجاجات الشعبية الناتجة عن الشعور بالحرمان النسبي للشباب  (أي الشعور بالحرمان عند المقارنة مع أقرانهم في دول أخرى وأقرانهم من أبناء المسؤولين) تسبق فترة حكم عبد المهدي بفترة طويلة، ولكنها بدأت تتفاقم تفاقمًا كبيرًا بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، التي لم يشارك فيها سوى قرابة 20% من الناخبين، والتي شهدت تزويرًا كبيرًا في الأصوات، ورفع نسبة المشاركة من خلال التزوير إلى الضعف تقريبًا، وحرق عدد من مخازن صناديق الاقتراع في بغداد، ثم أعقب هذه الانتخابات خلافات حادة بين الكتل السياسية الفائزة حول منصب رئيس الوزراء، لتتفق كتلتا «الفتح» و«سائرون» على تنصيب عادل عبد المهدي رئيسًا للوزراء، بمخالفة دستورية كبرى، دون أن تكون هنالك كتلة نيابية أكبر لتقدم مرشحها؛ فجاء عبد المهدي الذي لم يخض الانتخابات، ولا يملك كتلة برلمانية؛ ليكون بذلك لعبة بيد الكتل السياسية التي استغلت هذا الوضع لتكرس للمحاصصة بشكل غير مسبوق، من خلال تقاسم الدرجات الخاصة في الدولة.

أما حقبة عبد المهدي فبدأت بالجفاف، ثم أزمة نفوق الأسماك – بعد إعلان الاكتفاء الذاتي في الثروة السمكية- أعقبتها أزمة فيضانات، ثم حرق لمزارع الحنطة – بعد إعلان الاكتفاء الذاتي أيضًا- وخلال هذه الأزمات انتشرت ظاهرة المخدرات وإدخالها للبلد، ودائمًا دون استثناء تشير أصابع الاتهام لإيران بالوقوف وراء كل أزمة.

أما الدور النيابي، فيمكن اختصار المشهد بالصمت عن كل القضايا الحساسة والقرارات التي ينتظر المواطن تشريعها، والاكتفاء بحظر لعبة «بوبجي» في الوقت الذي يعاني فيه الشباب والخريجون من البطالة، فيما ينشغل رئيس البرلمان بحروب سياسية لإقصاء خصومه تسببت بتعطيل إتمام الكابينة الوزارية، وتعطيل العمل الرقابي لمجلس النواب، وحتى إتمام الكابينة فكان في ظل تظاهرات استُثمرت أجواؤها لتمرير بقية الوزراء.

تراكمات الستة عشر عامًا الماضية، وشعور الشباب بالخذلان قابله اعتقاد الطبقة السياسية على ما يبدو بعدم اكتراث الشعب لما تحدثه من فساد وانقياد لإيران على حساب الوطن، فكانت استقالة وزير الصحة د.  علاء الدين العلوان بسبب عدم قدرته على مجابهة ضغوط الفاسدين، ورفضه تمرير صفقة فساد تتعلق بلقاحات الأطفال، بمثابة صرخة لم ينتبه لها الساسة، بل انتبه لها الشعب الذي لم يكد يتخذ موقفًا من الحدث حتى جاءت أزمة عزل الفريق عبد الوهاب الساعدي وتحويله لإمرة الدفاع كضربة لجهاز مكافحة الإرهاب الذي حظي بثقة كبيرة ورمزية عالية لدى الشارع المنتفض اليوم، لتكون هذه الحادثة أشبه بشرارة أشعلت غضبًا لدى الشارع بمستوى تظاهرة تطالب بإنصاف الشباب وتحريك الوضع السياسي الراكد فوق مستنقع الفساد، إذ كان من الممكن جدًّا في بداية الأمر أن تكون الوعود وحزم الإصلاح كافية لتهدئة الشارع، لكن القمع المفرط والأسلوب الوحشي الذي تعرض له المتظاهرون جاء بنتائج عكسية تمامًا، ومن الممكن اعتبار الدماء التي سقطت نقطة اللا عودة لما قبل الاحتجاجات.

ما إن تحولت التظاهرة إلى عناد شبابي لمجابهة القمع حتى بدأت الصورة تتضح لدى المتظاهرين حول مشكلة البلد، فشعار «نازل آخذ حقي» الذي يطالب بحقوق العمل والخدمات والإصلاح تحول إلى شعار «نريد وطنًا»؛ إذ ولّد الحراك الشعبي نوعًا من الوعي والتنظيم أوصل فكرة أن المشكلة في العراق هي مشكلة دولة؛ أي إنها لا تقتصر على الأداء الحكومي وفشله، ولا الطبقة السياسية وفسادها، بل تشمل الدستور وثغراته، وشكل النظام الذي لم يعد ديمقراطيًّا بعد أن احتكرته الأحزاب وحولته إلى أوليغارشية وحصرته بيدها، من خلال قانون الانتخابات ومفوضيتها؛ لذلك لم يعد بالإمكان إقناع الشارع بالإصلاح بعد أن شعر بفقدان الثقة بالنظام ككل.

لم تنجح محاولات تخوين المتظاهرين واتهامهم بالعمالة للخارج، ولم تنجح كذلك الوعود بالإصلاح، وفشلت أيضًا محاولات الساسة بركوب الموجة الشعبية، وحتى الآن بقيت ورقة وحيدة بيد الحكومة لتناور بها، وهي عدم وجود قيادة للاحتجاجات لكي تتفاوض أو تتفاهم معها، وبالتالي باتت تدعي أن المتظاهرين لا يعرفون ماذا يريدون، وليست لديهم مطالب واضحة.

وعلى الرغم من أن عدم وجود قيادة للحراك الشعبي تعد نقطة ضعف من زاوية، لكنها نقطة قوة مهمة من زاوية أخرى، لا سيما مع استمرار القمع على طول الخط، فعدم وجود قيادة يمنع ضرب رأس الحراك لينتهي بزوال قيادته، كما يمنع توجيه اتهامات لشخصيات قيادية تخلخل الصف الداخلي للمتظاهرين، إضافة إلى أنه يعطي وقتًا كافيًا لتنظيم الشباب تنظيمًا عفويًّا لخلق نسق داخل الساحات لا يعتمد الهرمية في بنائه، ولذلك تجد في ساحات التظاهر فرقًا طبية، وأخرى لإعداد الطعام، وعمال تنظيف، بل حتى الورش الفنية والثقافية والمكاتب الإعلامية، تعمل جميعًا بتنسيق دون وجود قيادة، وهذا يفسر اختطاف الناشطين والمسعفين، ومعظمهم شخصيات غير معروفة ولا قيادية، فقط لكونهم جزءًا من الحراك الذي يتبلور نحو مزيد من التنظيم وترتيب الصفوف.

وبالحديث عن نقاط القوة والضعف، فإن إحدى أخطر نقاط ضعف الاحتجاجات الشعبية هي خذلان المجتمع الدولي وعدم اكتراثه لما يجري في العراق، بل لاقت تغريدات جينين هينيس بلاسخارت، ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، استنكارًا واسعًا بعد أن أبدت استعداد بعثة الأمم المتحدة للعب دور الوسيط الضامن لحوار وطني شامل؛ وذلك لأن هذا النوع من الوساطات يعد ضمانة لبقاء الكتل والأحزاب السياسية في السلطة، وهو ما يتعارض تمامًا مع مطالب المتظاهرين.

وعلى الرغم من أن الموقف الأمريكي من الأحداث في العراق اكتفى بالإدانة، تنظر طهران إلى الاحتجاجات الشعبية على أنها جزء من صراعها مع واشنطن، وأن المحرك الدافع لها هي الولايات المتحدة ومحورها الإقليمي، إلا أنها لم تقدم دليلًا واحدًا على هذا الادعاء، بل اعتمدت على الشعارات التي رفعت خلال الاحتجاجات المنددة بالهيمنة الإيرانية على القرار السياسي العراقي.

أما الطبقة السياسية العراقية فقد اتخذت من الرؤية الإيرانية للموضوع منطلقًا للتعامل مع التظاهرات؛ وبذلك اتخذت قرارها بالحل الأمني من خلال استخدام العنف المفرط في قمع المتظاهرين منذ اليوم الأول للاحتجاجات، وهو ما يفسر سقوط أكثر من 260 شهيدًا، وآلاف الجرحى، وعشرات المختطفين منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، وحتى كتابة هذه الدراسة.

وقد جاءت كلمة المرشد الإيراني علي خامنئي في 30  أكتوبر دليلًا في هذا السياق، إذ دعا إلى ما وصفه بمعالجة التهديد الأمني وإثارة الشغب في العراق ولبنان.

وعند النظر إلى كلمة خامنئي نجد أنها حملت رسالتين، الأولى موجهة لأتباع ولاية الفقيه، الذين وصفهم بـ«الحريصين على مصلحة العراق ولبنان»، معطيًا الأولوية الرئيسية للتعامل مع الاحتجاجات لمعالجة اضطراب الأمن بحسب وصفه- والتي تعد بمثابة ضوء أخضر معلن لاستخدام القوة والقمع لمجابهة الاحتجاجات.

أما الرسالة الثانية فكانت للشعبين العراقي واللبناني بأن «الطريق الوحيد لوصول الشعب إلى مطالبه المشروعة هو متابعتها في أطر الآليات القانونية»؛ أي إن الأطر والقوانين التي ارتضتها طهران للعملية السياسية غير مسموح للشعوب بتجاوزها. وإلا فالنتيجة ستكون انعدام الأمن.

ومع كل ما تحمله الرسالتين من تجاوز للسيادة؛ فإن الخطر يكمن في تهديد الأمن والسلم المجتمعي والعودة إلى مربع الفوضى والاقتتال الداخلي، وسيطرة الفصائل المسلحة المختلفة على الشارع.

هذا النوع من التهديد الإيراني والخذلان الدولي يقتضي تقديم خارطة طريق من الممكن تطبيقها للخروج من الأزمة دون التدهور والانجرار نحو الانفلات الأمني، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحشد الشعبي لم يتدخل حتى الآن في هذه الأزمة، علمًا بأن تدخله سواء مع الحكومة أو مع المتظاهرين، سيصب في مصلحة إيران؛ إذ إنه سيتصدر المشهد حينها دون منازع، وهو ما تسعى طهران لتحقيقه، لكنه في حال تدخل بالضد من الشعب فإنه سيفقد حاضنته الشعبية وركيزته الاجتماعية، وهو ما لا يرغب في حدوثه.

ولذلك فإن المخرج الدستوري لهذه الأزمة الذي يراه عدد من المختصين، يتمثل بخطوات تبدأ بإقالة الحكومة لتتحوّل إلى حكومة تصريف أعمال، يتولاها رئيس وزراء مستقل وكابينة وزارية تكنوقراط لا تتجاوز اثنا عشر وزيرًا، لا يحق لأي منهم الدخول في الانتخابات أو تشكيل أحزاب سياسية، وإقالة وكلاء الوزارات الممثلين للأحزاب والكتل السياسية، يتبع ذلك حل البرلمان وتشكيل مفوضية انتخابات جديدة بقانون انتخابي جديد؛ ليعدل البرلمان المنتخب الدستور بعد ذلك.

لكن هذه الخارطة ربما تكون أفلاطونية حالمة إذا عدنا إلى الواقع المتمثل باتخاذ قرار القمع للبقاء في السلطة، بالإضافة إلى عدم وجود ضمانات لاختيار الشخص المناسب لحكومة تصريف الأعمال ومن يختاره، وكذلك إمكانية التسليم بقبول البرلمان بحل نفسه، أو حتى بقبول إيران بتطبيق هذه الخارطة التي تعني نهاية مشروعها في العراق.

وعلى هذا الأساس يمكن عد موقف الأمم المتحدة ومبادرتها بتوفير ضمان الإصلاح والقبول به منطقيًّا، في ظل المخاوف من حدوث كارثة، كما يبدو منطقيًّا أيضًا إصرار المتظاهرين على إكمال ما بدأوه حتى النهاية، وعدم القبول بالتراجع حتى تحقيق المطالب المشروعة.

يجدر القول هنا إن الحركة الاحتجاجية تمكنت من القضاء على الطائفية، التي أسست العملية السياسية بنيانها عليها لتقيم نظام المحاصصة، كما تمكنت من تحريك عدد من ملفات الفساد، وإن كانت دون مستوى الطموح بكثير، إلا أن أهم ما تحقق حتى الآن أن الاحتجاجات شكلت ضربة كبيرة للمشروع الإيراني في العراق، «وقد تبرز تداعيات هذه الاحتجاجات مستقبلًا في انخفاض شعبية حلفاء إيران في العراق، وبروز تنظيمات رافضة للتقسيمات الطائفية، وتنامي الشعور الوطني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد